عدم المساواة، مصدر للتوتر وعائق أمام المساءلة عن جرائم الحرب والإبادة

إحياء ذكرى الإبادة الجماعية عام 1994 ضد التوتسي في رواندا (2019).
UN Photo/Violaine Martin
إحياء ذكرى الإبادة الجماعية عام 1994 ضد التوتسي في رواندا (2019).

عدم المساواة، مصدر للتوتر وعائق أمام المساءلة عن جرائم الحرب والإبادة

حقوق الإنسان

في ظل الأزمات المتلاحقة في العالم، عُقدت فعالية في قاعة المجلس الاقتصادي والاجتماعي اليوم لمناقشة الطرق الآيلة إلى زيادة الوعي بأسباب ودينامكيات الإبادة الجماعية، وتنبيه الجهات ذات الصلة عند وجود خطر الإبادة، والدعوة والتعبئة لاتخاذ الإجراءات المناسبة.

والحدث الذي انعقد تحت عنوان "التدابير الاجتماعية والاقتصادية لمنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية"، ركز على منع تكرار أخطاء الماضي وتفادي ما حصل في رواندا وسربرنيتشا.

ويأتي الاجتماع فيما يشتد نطاق الأزمات الحالية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك النزاعات وأزمات الغذاء والطاقة، فضلاً عن تعميق عدم المساواة والتوترات داخل الدول وفيما بينها، والتي تفاقمت بسبب عواقب جائحة كوفيد-19 وتغير المناخ، ما أدى إلى ظهور مجموعة من المواقف اليوم حيث يتعرض السكان لخطر جرائم تقع تحت نطاق "مسؤولية الحماية".

كل ذلك يحدث على خلفية تراجع التعددية ودور الأمم المتحدة، فضلاً عن تقليص احترام القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان.

الترابط بين السلام والتنمية

وفي افتتاح الفعالية، شددت السيدة لاشيزيرا ستويفا، رئيسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي على ما تتطلبه خطة أهداف التنمية المستدامة و"مسؤولية الحماية" (RtoP)، اللتان اعتمدتا عام 2015 و 2005، من جهد جماعي "لتهيئة البيئة التمكينية التي تضمن الاعتراف بكرامة وقيمة كل إنسان واحترامها".

وقالت السيدة ستويفا إن العمل الذي يقوم به أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي قائم على حقوق الإنسان على النحو المعترف به في خطة التنمية المستدامة لعام 2030. وأوضحت قائلة: "يوفر كل من الهدف العاشر المعني بالقضاء على أوجه عدم المساواة، والهدف السادس عشر المعني بتعزيز الوصول إلى العدالة وبناء مؤسسات فعالة، مداخل لتعزيز الروابط بين السلام والتنمية".

غير أنها أضافت أن التأكيد على التزامنا بخطة عام 2030 لا يكفي ببساطة، مشيرة إلى أن التحديات العالمية اليوم، بما في ذلك جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا وتغير المناخ والصراعات التي طال أمدها في جميع أنحاء العالم، تقوض تقدمنا ​​نحو أهداف التنمية المستدامة وتعكس المكاسب التي تم تحقيقها.

وشددت على أن "هذه التحديات تتطلب تنشيط تعددية الأطراف وأمما متحدة أقوى. وتتطلب منا المشاركة مع جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الشباب والنساء، لتعزيز التقدم الاجتماعي وتحسين مستويات المعيشة وحقوق الإنسان للجميع".

الإفلات من العقاب يقوض بناء مجتمعات سلمية

بحسب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة تشابا كوروشي، فإن جذور الإبادة الجماعية تنبع من "التمييز والاختلافات العرقية أو الدينية أو الاجتماعية المصطنعة،" وشدد في هذا السياق على أهمية الوقاية مستشهدا بالمثل القائل "درهم وقاية خير من قنطار علاج".

وتأتي هذه الوقاية عبر التعليم الذي يعد "مفتاح التغيير التحويلي" كما قال كوروشي الذي أوضح أنه من خلال تعزيز بيئة من التعايش والاحترام المتبادل والتسامح والتعاون، يمكن للتعليم أن يحمي المجتمعات من خطر التطرف العنيف. ويمكن أن يشجع العقليات على "الابتعاد عن لوم ’الآخرين‘ على كل ما هو خطأ في المجتمعات".

ولفت رئيس الجمعية العامة الانتباه إلى أن مقولة "عدم السماح بتكرار ذلك مرة أخرى" قد سمعناها مرات كثيرة، قائلا إن عدم الالتزام بذلك هو "إخفاق يقاس بعدد الأرواح المفقودة".

ودعا في هذا الصدد إلى التعلم من السياسات التي أدت إلى فظائع الهولوكوست، والمآسي في كمبوديا ويوغوسلافيا السابقة ورواندا.

وقال إن هناك سببا وجيها لتضمين خطة عام 2030 صراحة الحد من جميع أشكال العنف، موضحا أنه من خلال الاستفادة الكاملة من المراجعات الوطنية الطوعية، يمكن للدول الأعضاء مساعدة بعضها البعض في تحديد المجالات أو الفرص لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ومساءلة بعضها.

وشدد قائلا "يجب أن يكون واضحا أن الإفلات من العقاب يبعدنا جميعا بصورة أكبر عن المجتمعات السلمية والعادلة والشاملة".

وحذر السيد كوروشي من أنه سيتم الحكم على كيفية تصدينا للإبادة الجماعية في السنوات القادمة، داعيا في هذا السياق إلى اتخاذ "خطوة معا لإنهائها".

 

دعوة للقضاء على نقاط الضعف الاجتماعية والاقتصادية

المستشارة الخاصة المعنية بمنع الإبادة الجماعية، السيدة أليس ويريمو نديريتو، التي خاطبت المجتمعين عقب رئيس الجمعية العامة، والتي كانت تتحدث نيابة عن الأمين العام، ركزت في كلمتها على أهمية تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مجال الوقاية من الأوضاع التي تؤدي إلى فظائع بحق الإنسانية.

وأعطت مثالا على ذلك ما قامت به مع زملائها في كينيا وجنوب أفريقيا مشيرة إلى الصدى القوي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مثل الحق في الغذاء الكافي والسكن اللائق والتعليم والصحة والضمان الاجتماعي والعمل والمياه والصرف الصحي، لدى المجتمعات المحلية في حالات النزاع التي عملت فيما بينها على الوقاية وفق نهج قائم على حقوق الإنسان إزاء منظور التنمية دون الانتقاص من الحقوق المدنية والسياسية مثل التعذيب وظروف السجون.

وقالت إن الأمين العام أوضح في رسالته بمناسبة اليوم الدولي للتعليم هذا الأمر عندما قال "لطالما كان صادما بالنسبة لي أن التعليم يحظى بمرتبة منخفضة في سلم أولويات العديد من السياسات الحكومية وفي صكوك التعاون الدولي".

يذكر أن موضوع هذا العام لليوم العالمي للتعليم هو "الاستثمار في الناس، وإعطاء الأولوية للتعليم".

وذكرت السيدة نديريتو أن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد قنّن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وطرح مفهومين هامين لهما أهمية كبيرة في الوقاية، ألا وهما:

•      فكرة إعمال الحقوق «بأقصى ما تسمح به الموارد المتاحة للدولة» و

•      مفهوم الإعمال التدريجي.

ونقلا عن الأمين العام قالت المستشارة الخاصة المعنية بمنع الإبادة الجماعية إن "نقاط الضعف الاجتماعية والاقتصادية لا تشكل الأسباب الجذرية للنزاع فحسب، بل تشكل أيضا أسبابا للجرائم الفظيعة".

وكما أشار الأمين العام أنطونيو غوتيريش، فإن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية "ليست فقط مصدرا للتوتر والصراع في حد ذاتها، ولكنها أيضا تعيق قدرة المجتمع على منع الجرائم الفظيعة".

وفي هذا السياق شددت السيدة نديريتو على أهمية "القضاء على نقاط الضعف الاجتماعية والاقتصادية كسبب جذري للجرائم الفظيعة".

 

تعزيز نهج متكامل واستراتيجي ومتسق لبناء السلام

وفي نفس السياق، قال محمد عبد المغيث، رئيس لجنة الأمم المتحدة لبناء السلام، إن الآثار السلبية لانعدام الأمن، وعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، والفقر المتزايد، وتعميق التفاوتات، وتغير المناخ والكوارث المتكررة، وتأثير جائحة كوفيد-19 قد ساهمت في تفاقم الصراع.

واستنادا إلى عمل لجنة بناء السلام، شدد عبد المغيث على 5 نقاط يجب التركيز عليها لدرء خطر العنف والإبادة وغيرهما من الفظائع، وهي: 

أولا، حتمية معالجة الأسباب الجذرية للصراعات والأزمات، فضلا عن أهمية تعزيز التنمية المستدامة والشاملة، من أجل بناء السلام واستدامته.

ثانيا، ضمان أن تكون جميع الجهود شاملة ومتماسكة ومراعية لسياق النزاعات وأن تعزز بناء السلام واستدامته، بما في ذلك من خلال التركيز بشكل أكبر على خلق فرص اقتصادية ومعيشية متكافئة للجميع والتصدي للتمييز المنهجي والمظالم التي يمكن أن تؤدي إلى اندلاع العنف.

ثالثا، التركيز على الشمولية بوصفها عنصرا أساسيا للنهوض بأولويات بناء السلام الوطنية لضمان مراعاة احتياجات جميع شرائح المجتمع.

رابعا، أهمية الجهود الدولية الجماعية والتضامن والتعاون بوصفها عوامل أساسية للنجاح في النهوض بأهداف التنمية المستدامة وبناء السلام واستدامته.

خامسا، الدور الرئيسي للحكومات الوطنية، الذي تدعمه باقتدار أفرقة الأمم المتحدة القطرية، ولا سيما الوكالات والصناديق والبرامج في توفير الدعم المصمم خصيصا للبلدان التي تواجه تفاوتات اجتماعية واقتصادية متزايدة، وكثير منها يمكن أن يؤدي في كثير من الأحيان إلى توترات بين المجتمعات المحلية.

وقال محمد عبد المغيث إنه لا يمكن المغالاة في التشديد على دور لجنة بناء السلام في دعم الجهود الوطنية الرامية إلى الحفاظ على السلام، ولا سيما في ضوء قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن بشأن بناء السلام واستدامته، التي تشدد على أهمية اللجنة في تعزيز نهج متكامل واستراتيجي ومتسق لبناء السلام، مع الإشارة إلى أن "الأمن والتنمية وحقوق الإنسان مترابطة ترابطا وثيقا وتعزز بعضها البعض".

تجدر الإشارة إلى أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي كان أول من وضع مشروع معاهدة دولية بشأن الإبادة الجماعية في عام 1946.

ثم اعتمدت الجمعية العامة اتفاقية عام 1948 لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، والتي قدمت أول تعريف قانوني لهذه الجريمة.

في عام 2022، احتفلت الجمعية العامة باليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية – في موقف صريح ضد تسريع الخطى نحو الإبادة الجماعية، بما في ذلك التحريض على الكراهية، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.