عازف البيانو من مخيم اليرموك "أيهم أحمد": القهر يوّلد الفن.. بيتهوفن كان منبوذا في مجتمعه وأنا لاجئ بدون جنسية

14 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

يُطلق عليه لقب "عازف البيانو بين الدمار"، الفنان أيهم أحمد، الذي مُنح جائزة بيتهوفن الدولية لحقوق الإنسان والسلام قبل أعوام، صورته مطبوعة في الذاكرة وهو يعزف في مخيم اليرموك للاجئي فلسطين في سوريا، محاطاً بأطفال، بين الدمار والركام.

 

يربط العازف والملحن والمغني أيهم أحمد بين آلة البيانو الغربية والمقطوعات الشرقية، ويقيم الآن في ألمانيا حيث يعطي دروس الموسيقى عبر الفضاء الإلكتروني في ظل جائحة كـوفيد-19، ويقدّم عروضا وحفلات موسيقية ينقل من خلالها رسالته الإنسانية إلى العالم.

خاطر أيهم بحياته في رحلة عبر البحر، مثل آلاف اليائسين، بحثا عن الأمان والفرصة في مستقبل أفضل له ولأسرته. كنا قد أجرينا حوارا مع الفنان الفلسطيني أيهم أحمد عام 2016، تحدث خلاله عن حياته الجديدة في ألمانيا، وبعد مرور أربع سنوات تواصلنا مع أيهم لنتابع معه رحلته.

أخبار الأمم المتحدة: خرجت من سوريا وقد حملت معك ما خف ثقله وغلا ثمنه، خارطة فلسطين وبعضا من نوتاتك الموسيقية. كيف ساعدتك هذه الأدوات على الحياة الجديدة في ألمانيا؟

أيهم أحمد: ساعدتني الموسيقى كثيرا، والموسيقى العالمية التي تعلمتها في سوريا. لقد عزفت بيتهوفن وحصلت على جائزة بيتهوفن، لا أدري لماذا، فقد قيل إنني حاربت من أجل السلام، لكنني أرى أن جميع السوريين حاربوا للسلام وخرجوا بظروف سيئة، ووصلنا إلى أوروبا بشق الأنفس. لقد ساعدتني الموسيقى كثيرا، ولذا لم أواجه عوائق بسبب اللغة. لدي أصدقاء هم قامات كبيرة وعقول نيّرة درسوا في سوريا، ولكن اللغة عادة تشكل عائقا في الغربة. اللغة ألمانية صعبة للغاية، ومن المهم تعلّم اللغة قبل العمل. ساعدتني الموسيقى على الانطلاق بسرعة، وكان أول حفل لي بعد خمسة أيام من وصولي إلى ألمانيا.

أما خريطة فلسطين، فمكتوب في هويتي أنني عديم الجنسية، هذا الأمر يزعجني ويزعج كل فلسطيني لاجئ في سوريا أو الأردن أو لبنان، جاء إلى ألمانيا وتم تصنيفه على أنه بلا وطن. نحن دائما نُعتبر أننا بين السطور كلاجئين لمرة ثانية وثالثة، عندما أردت الحصول على رخصة قيادة في ألمانيا، كان مكتوب مكان البلد الأصلي حرف "XXX" وكنت أسأل الموظفة بمكتب الأجانب، أين يقع هذا البلد "إكس" هل هو في القمر أم في المريخ؟ أمر مخز ومضحك، ولكنه الحوار اليومي بين الفلسطينيين اللاجئين، لذا الخريطة في القلب والعقل، والوطن دائما مطبوع في الذاكرة.

أخبار الأمم المتحدة: جئتَ من مخيم، يعاني الأمرّين وصعوبات في كسب الرزق ولقمة العيش، كيف يخرّج مخيم موسيقيا موهوبا مثلك؟

أيهم أحمد: القهر دائما يوّلد الفن. أي فنان عالمي هو مقهور، بيتهوفن كان مقهورا وكان منبوذا في مجتمعه، وحتى فان غوخ، جميعهم كانوا فقراء، حياتنا في مخيم اليرموك كانت شبه طبيعية، كنا لاجئين، وآلة البيانو هي آلة خارج الحدود، خارج حدود التفكير، "عازف بيانو من المخيم!"، كان أمرا مستغربا، لأن لدينا عازف عود وطبلة وشبيبة ومجوز، لكن البيانو آلة غير مألوفة في المخيم. والدي كان شديدا وأرادني أن أتعلم الموسيقى، وكان محرّك البحث والقضية الموسيقية.

أخبار الأمم المتحدة: هل تسير على درب والدك وتقوم بتعليم أبنائك أيضا الموسيقى؟

أيهم أحمد: أحمد وكِنان يحبّان الموسيقى كثيرا ويعزفان، لكن والدي كان يفرض عليّ التمرين أربع ساعات يوميا ولم يكن يتسنى لي اللعب مع الأطفال، ولذا أترك حرية الاختيار لأبنائي إذا أرادا تعلّم الموسيقى. هما يحبّان البيانو وأحيانا أقوم بتقديم حفلات في روضتهم ومدرستهم، وقمت بعمل حفلتين في ظل جائحة كـوفيد-19. إذا أرادا الاحتراف لن أقوم بتعليمهما سأرسلهما لأحد الأصدقاء أو لمدرسة قريبة من هنا.

أخبار الأمم المتحدة: ما الرسالة التي تريد وأردت أن تنقلها إلى المجتمع الألماني والأوروبي بشكل عام؟

أيهم أحمد: الرسالة هي رسالة محبة تتحدث عن أطفال مخيم اليرموك وما حدث لنا في المخيم كفلسطينيين وسوريين، بعد تسع سنوات من الحرب تناسى الناس مخيم اليرموك وسوريا. كثير من الأوروبيين يقولون إن ما يحدث هو كذب وسوريا بها سلام ومحبة، ويجب إعادة اللاجئين. سوريا بلد ليس آمنا، وشقيقي معتقل منذ تسع سنوات ولا نعرف عنه شيء.

لا توجد لدي جنسية وأنا لاجئ في مخيم اليرموك، لكنني أشعر وكأنني كشجرة اقتلعت من جذورها، أصبحنا نتعايش مع ألم الغربة بعد خمس سنوات، كنت سعيدا لأنني هربت من داعش لكننا نموت موتا بطيئا هنا أو أننا لم نعد نشعر بشيء.

Aeham Ahmad

أخبار الأمم المتحدة: هل تصل أيضا رسالتك إلى السوريين والفلسطينيين؟

أيهم أحمد: أغلب الشعب السوري يرفض أن يصغي لنا وهذا الأمر يؤلمني ويذكرني بالماضي والصواريخ والقصف والألم والأطفال الذين يموتون. نحن هنا في ألمانيا بسبب كل ما حدث. دائما أقول إن علينا أن نقف وقفة واحدة معا. أحيانا تكون تذكرة الحمل بخمسين يورو، وأسأل الأصدقاء السوريين والفلسطينيين المقيمين بألمانيا، لماذا لا تأتون للحلفة؟. الحضور معظمه ألمان، فأسأل نفسي وأنا لست سوريا عن سبب حديثي عن السوريين، فأجيب على نفسي لأنني الوحيد الموجود هنا الذي يمكن أن يتحدث عن محنتهم.

أخبار الأمم المتحدة: كنت قبل جائحة كورونا تقيم الحفلات الموسيقية، الآن مع الجائحة كيف تتدبر هذا الأمر؟

أيهم أحمد: الجائحة أهم من الحرب. في الحرب كنا نعزف ونخطط للحفلات. وعندما جئت إلى ألمانيا كان الأمر أيضا سهلا، وكنت أتلقى الكثير من العروض وأقمت عشرات الحفلات، وخلال السنوات الأربع الأولى من وجودي في ألمانيا قمت بأكثر من ألف حفلة. ألمانيا تقدم للموسيقيين دعما خاصا وقد ساعدتني الدولة بمبلغ مالي في بداية الجائحة، والآن سأحيي حفلات في شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر، وسيحضر الحفل 30 شخصا وستُعاد ثلاث مرّات.

أخبار الأمم المتحدة: إذا حصلت على فرصة للسفر والقيام بعرض موسيقي، أين تختار؟ ولماذا؟

أيهم أحمد: أختار العودة لسوريا والعزف في المخيم. هذا أفضل عرض موسيقي أفكر فيه. كثير من الأصدقاء يسألون لماذا لا تعزف في الولايات المتحدة؟ أشكر كل من ساعدني لكن حفلات المخيم تختلف، لم يكن يحضرها أحد من خارج اليرموك، ولكن كان أبناء المخيم يحضرون فأشعر بأنني أصنع فرقا. أنا لا أرى هذا التغيير والفارق هنا. في المخيم، كانت الموسيقى ثورة، والآن تغيرت وأصبحت ثقافة. هذا جميل وذلك كان أجمل. أتمنى أن أنظم حفلا في المخيم بعيدا عن الفصائل أو أي سلطة.

أخبار الأمم المتحدة: نحن على أعتاب نهاية العام، ما أمنيتك في العام الجديد؟

أيهم أحمد: أمنيتي في العام الجديد أن يتحسن الواقع المعيشي لكل اللاجئين الموجودين على الحدود السورية في دير البلوط والمخيمات الأخرى. هذه أفضل أمنياتي، كل عام نرى الصور الدامية. أوروبا تقف موقف المتفرج، أليس هذا جزءا من حقوق الإنسان، الأفغان والسوريون والفلسطينيون.. لماذا هكذا أوضاعهم؟ أرجو توفير بدائل لهم. نحن نتحدث عن الإنسان. الموسيقى أوصلت صوتنا للجميع، ليس للألماني أو الأميركي أو الفلسطيني أو السوري فقط، بل وصل لجميع البشر. أتمنى ألا تتكرر هذه الصور مرة أخرى لكن المزعج أنني واثق أننا سنراها ثانية.

للاستماع للحوار الكامل مع أيهم أحمد:

 

♦ تحميل تطبيق أخبار الأمم المتحدة بالعربية من متجر آبل لأجهزة الأيفون والآيباد IOS أو من متجر غوغل لأجهزة أندرويد Android . 

 الاشتراك في إشعارات البريد الإلكتروني.

تتبع الأخبار: أخبار سابقة حول هذا الموضوع

الصحفية الفلسطينية بيسان زرزر: أعاني من "عقدة الناجي" بعد هجرتي البحرية إلى هولندا وترك أهلي في سوريا

كبرت وترعرعت في سوريا، ومن ثمّ انتقلت في رحلة عبر البحر إلى أوروبا عام 2014 بحثا عن حياة أفضل، بيسان زرزر هي صحفية فلسطينية-سورية، شاركت عام 2019 في برنامج تدريب الصحفيين الفلسطينيين في الأمم المتحدة بنيويورك وهي الآن تواصل عملها ودراستها في هولندا.

لاجئ زاده الموسيقى: رحلة أيهم أحمد من اليرموك إلى برلين

ولد عام 1988في مخيم اليرموك للاجئي فلسطين في سوريا، وتعلم في مدارس الأونروا، درس أيهم أحمد الموسيقى في سوريا وعمل مع والده في متجر للأدوات الموسيقية في مخيم اليرموك إلى أن اضطر لخوض رحلة محفوفة بالمخاطر عبر البحر بحثا عن مستقبل أفضل.