20 آب/أغسطس 2019

"إذا تقابلت وجها لوجه مع واحد من مقاتلي بوكو حرام، ولو كنت أملك القوة، وسكينا في يدي، فسأقطع حنجرته وأسفك دمه! ذلك لأني، كلما تذكرت المعاناة التي مررت به،  يجتاحني الشعور بالغثيان".

قد تكون كلمات "ولا ماتاري" - 29 عاما من الكاميرون -  شديدة الحدة، لكنها نافذة صادقة وصريحة عن المعاناة التي عاشتها، والآثار المؤلمة طويلة الأمد للفظائع، التي ارتكبها إرهابيون بلا رحمة، في حق هذه الأم التي تعيل ستة أطفال.

"كل يوم أحد أذهب لإحضار أطفالي من الكنيسة" تقول ولا ماتاري لأخبار الأمم المتحدة، من مدينتها الجديدة في أقصى شمال البلاد.  تسير في الطرق الترابية التي تعبر المشهد الجاف نحو تلك الكنيسة.

وقد حضرت اليوم إلى كنيسة القديس يوسف الكاثوليكية ذات السقف العالي في زاماي، لسماع القس يتحدث عن السلام والقبول، وتجلس بين مجموعة تضم 200 من المصلين، تعرض الكثير منهم لأهوال مماثلة لتلك التي عانت منها ولا ماراتاي.

UN Photo/Eskinder Debebe
في الصورة "ولا ماتاري" البالغة من العمر 29 عاما وهي سجينة كانت مرتهنة سابقا لدى جماعة إرهابية، تجلس في هذه الكنيسة مع أطفالها في قرية زاماي في أقصى الشمال في الكاميرون.

 

"أحضر إلى الكنيسة لأدفن أحزاني وأهرب من الذكريات السيئة. ينام الإنسان بشكل أفضل بعد سماع كلمة الرب" تقول الأم الكاميرونية لأخبار الأمم المتحدة. تقول إنها تشعر، بعد الكنيسة، بالسعادة كونها ما زالت على قيد الحياة.

في إحدى ليالي الأربعاء في شهر سبتمبر / أيلول 2014، هاجم مسلحون بلدتها السابقة، قرية زيلفيت، ونهبوا المنازل وأحرقوها ثم أخذوا معهم سكانها رهائن إلى الغابة.

قسوة تفوق التصور

"جاء المسلحون ليلا، في منتصف الليل بالتحديد، بينما كنت نائمة مع أطفالي وزوجي. أحاطوا بالحي الذي نسكنه وبمنزلنا" تحكي ولا ماتاري، وتقول: "لقد كانوا ملثمين بالكامل، بفتحات شقوق تظهر أعينهم فقط."

قام المسلحون بجز أعناق أخيها وأبنائه السبعة؛ فعلوا ذلك أمام أعينها في بشاعة قاسية لا يمكن تخيلها. كانت مثالا على الوحشية اللامبالية التي ينشرها المتمردون المسلحون في المنطقة، ويرهبون بها المدنيين الذين يجدونهم، ويخضعونهم.

مئات الآلاف من الناس، مثل ولا ماتاري، تشردوا، وقتل الآلاف منهم في جميع أنحاء المنطقة خلال العقد الماضي، نتيجة للتمرد الذي لا يزال مستمرا حتى يومنا هذا.

وقد بدأ عهد انتشار الإرهاب في الشمال الشرقي لنيجيريا بتشكيل مجموعة تطلق على نفسها اسم بوكو حرام - والذي يترجم معناه بـ" التعليم الغربي يعد حراما" وانتشرت المجموعة منذ ذلك الحين لتشمل دولا مثل الكاميرون والنيجر وتشاد.

رهائن

وقد تم احتجاز ولا ماتاري وأطفالها والاحتفاظ بهم كرهائن. وتقول إنها قد حاولت في ذلك الوقت أن تخفي أولادها عن المسلحين بجعلهم يرتدون ملابس الفتيات. فقاموا بوضع حشوات على صدورهم للإيحاء بأن لهم أثداء. فعلت ذلك لأنها تعرف أن من المحتمل تجنيد الأولاد في صفوف المتمردين، أو أسوأ من ذلك، أن يتم إعدامهم بإجراءات موجزة مثل أبناء أخيها.

وقد تم اكتشاف حيلة الأولاد وأجبروا على حمل السلاح والقتال تحت إمرة المجموعة في نيجيريا. وفي هذه الأثناء، تعرضت ولا ماتاري للاغتصاب مرارا وتكرارا، لفترة استمرت على مدار عامين، وأصبحت حاملا أكثر من مرة وأجهضت في كل مرة، بعد تعرضها للضرب بلا رحمة.

"كنت أعيش في حالة تتعدى حدود المعاناة، وأشعر بالخوف الشديد من فكرة محاولة الهرب، بعد رؤيتي لآخرين تمت معاقبتهم على ذلك. حاول بعضهم الفرار ولكن تم أسرهم وتوفوا متأثرين بجراحهم. كان يتم بتر آذانهم أو أثداء النساء منهم أو أطرافهم، ويتركون ليموتوا في الغابة".

في النهاية، قام أشخاص تصفهم ولا ماتاري بـ"رجال يرتدون الزي العسكري" بمساعدتها وعائلتها على الهروب. كانوا في رحلة الهروب يمشون طوال الليل، ويختبئون أثناء النهار في الكهوف. ولا ماتاري تقول "إن الله عظيم، فهو لا ينام أبدا، وبفضل نعمته الإلهية فررت من هذا الجحيم".

الهروب إلى زاماي

 

UN Photo/Eskinder Debebe
رجال في قرية زاماي في أقصى الشمال في الكاميرون، يشربون البيرة المحلية التي تصنعها الأم ولا ماتاري التي كانت سجينة لجماعة إرهابية.

هروب عائلة ولا ماتاري من الأسر أخذها إلى منطقة زاماي في الكاميرون. زاماي التي كانت في الأصل قرية صارت الآن بلدة صغيرة بعد وصول النازحين إليها بسبب النشاط الإرهابي واستقرارهم هناك.

ويعيش في البلدة حوالي 2270 شخصا ممن فروا من مناطقهم في ملاجئ سكن صغيرة شبه دائمة متراصة جنبا إلى جنبا، وهي كلها مصنوعة من الطين والطوب. وتمت تغطية هذه المساكن بالأغطية البلاستيكية البيضاء التي قدمتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الأغطية هي علامات تحكي عن أوضاع المهاجرين والنازحين في الكاميرون، وفي منطقة بحيرة تشاد، بل وفي جميع أنحاء أفريقيا.

وقد تلقت ولا ماتاري دعما من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بما في ذلك دروس لمحو الأمية وتدريب تتعلم منه تربية الحيوانات. وقد اشتركت أيضا في برنامج "المال مقابل العمل" الذي مكنها من تمويل أعمال تجارية صغيرة صارت مزدهرة الآن إذ تقوم بصناعة  بيرة "البيلي بيلي" المحلية من حبوب الدخن الأحمر.

وفي أيام الأحد بعد الظهر، تقدم ولا ماتاري خدمات الشراب لرجال زاماي الذين يتجمعون في منزلها، ويشربون من وعاء  مصنوع من قرع شجرة الكالاباش.

تقول ولا ماتاري "أنا أصنع بيرة الدخن حتى أتمكن من إطعام أطفالي وتوفير ملبسهم، وشراء الصابون والعناية بزوجي المصاب بمرض عقلي. قبل ذلك، عشت أنا وأطفالي في فقر مدقع" تقول ولا ماتاري لأخبار الأمم المتحدة؛ والآن "من بيرة الدخن هذه أنا أكافح من أجل عائلتي".

 

 

♦ تحميل تطبيق أخبار الأمم المتحدة بالعربية من متجر آبل لأجهزة الأيفون والآيباد IOS أو من متجر غوغل لأجهزة أندرويد Android . 

 الاشتراك في إشعارات البريد الإلكتروني.