ليبيا: المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يرى بأم العين الفظائع التي ارتكبت ويؤكد أن تحقيق العدالة "ليس بالمهمة المستحيلة"

كريم خان (على الشاشة) ، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ، يطلع اجتماع مجلس الأمن الدولي على الوضع في ليبيا.
UN Photo/Eskinder Debebe
كريم خان (على الشاشة) ، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ، يطلع اجتماع مجلس الأمن الدولي على الوضع في ليبيا.

ليبيا: المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يرى بأم العين الفظائع التي ارتكبت ويؤكد أن تحقيق العدالة "ليس بالمهمة المستحيلة"

القانون ومنع الجريمة

شدد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، على أن العدالة لا يمكن أن تكون مجرد قيمة أو فكرة، بل "يجب أن يشعر بها الشعب الليبي". جاء ذلك في إحاطته لمجلس الأمن عبر الفيديو من العاصمة الليبية طرابلس، وهي الأولى لأي مدع عام للمحكمة من الأراضي الليبية.

أخبر السيد خان المجلس عن زيارته لموقع في ترهونة حيث رأى "مشهداً بائساً" لصناديق معدنية أُجبر الناس على دخولها والعيش في "حالة مروعة للغاية"، بما يرقى إلى "اللاإنسانية المحسوبة". كما ذكر زيارته لمزارع تحولت إلى مقابر جماعية ومواقع لطمر النفايات "حيث ألقيت الجثث دون مراسم (الدفن)." وأشاد بعمل خبراء الطب الشرعي الليبيين الذين أزالوا أكوام القمامة بما في ذلك "الكلاب والماعز النافقة" للعثور على الجثث، التي وصل عددها الآن إلى 250 جثة، لم يتم التعرف على الكثير منها.

قال السيد خان إنه التقى بعائلات الضحايا في ترهونة الذين سردوا قصصاً مفجعة تؤكد أن الالتزام بتحقيق العدالة "ليس فكرة مجردة، إنها حقاً مهمة للغاية."

المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان يزور مكب النفايات في ترهونة ، ليبيا ، حيث تم التعرف على عدد من المقابر الجماعية.
ICC
المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان يزور مكب النفايات في ترهونة ، ليبيا ، حيث تم التعرف على عدد من المقابر الجماعية.

إحقاق العدالة

أشار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى التعب الذي لمسه من الليبيين في جميع أنحاء البلاد الذين يتساءلون عما يفعله المجتمع الدولي لتحقيق العدالة، وأضاف قائلا: "الضحايا يريدون إظهار الحقيقة. يريدون أن تُسمع أصواتهم، ويريدون أن يتم البت في الادعاءات قانونيا من قبل قضاة مستقلين وحياديين."

وشدد على أن المجتمع الدولي لا يمكنه السماح "بأن ينتشر شعور بأن الإفلات من العقاب أمر لا مفر منه"، مشيراً إلى أن خارطة الطريق الجديدة التي تبلورت في تقريره الصادر في نيسان / أبريل من شأنها أن تعطي نتائج وشفافية أكبر لعمل المحكمة الجنائية الدولية.

في موقع لطمر النفايات في ترهونة، ليبيا ، تم التعرف على أكثر من 50 جثة عبر عدد من المقابر الجماعية.
ICC
في موقع لطمر النفايات في ترهونة، ليبيا ، تم التعرف على أكثر من 50 جثة عبر عدد من المقابر الجماعية.

الشراكات تؤتي ثمارها

أبرز السيد خان أهمية الشراكات التي تؤتي ثمارها بالفعل، وقال إن لمكتبه الآن وجودا منتظما في المنطقة لأول مرة منذ عام 2011، فيما تم جمع مجموعة متنوعة من المواد الاستدلالية من خلال 20 بعثة قام بها المكتب إلى ستة بلدان في الفترة الأخيرة.

وفي أيلول / سبتمبر، انضم مكتب المدعي العام إلى فريق تحقيق مشترك حول الاتجار بالبشر، مما أدى إلى نقل ثلاثة أفراد رئيسيين من إثيوبيا إلى المحاكم المحلية في إيطاليا وهولندا، والذين تجري محاكمتهم الآن لمزاعم تتعلق بالتهريب البشر، بما في ذلك التعذيب والاستعباد. وشدد على أن المحكمة الجنائية الدولية "ليست محكمة عليا، ولكنها مركز. وعلينا العمل معاً للتأكد من وجود مساحة أقل للإفلات من العقاب وجهود أكبر للمساءلة."

وأعلن المدعي العام أنه تم تقديم طلبات أخرى بأوامر القبض إلى القضاة المستقلين في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أنه لم يخوض في التفاصيل بسبب الطابع السري لتلك الطلبات. وقال إنه سيتم تقديم المزيد من طلبات الاعتقال التي تمثل "نموذجاً جديداً للعمل" من قبل مكتبه، وأكد أن هذا الزخم المتزايد لم يكن ليتحقق إلا بالشراكة مع أصحاب المصلحة في ليبيا، ولا سيما عمل السيد محمد يونس المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي.

مناقشات في شرق ليبيا

وأخبر السيد خان المجلس عن لقاءاته يوم أمس بالمسؤولين في شرقي البلاد، بما في ذلك المشير خليفة حفتر، حيث كان واضحاً خلال مناقشاته أن مكتبه قد تلقى أدلة ومعلومات بشأن مزاعم لجرائم ارتكبها الجيش الوطني الليبي، وأن التحقيقات جارية بهذا الشأن.

وقال: "سواء كان المرء من الشرق أو الغرب، سواء كان من الشمال أو من الجنوب، سواء كان قائدا عسكريا أو رئيسا مدنيا، هناك حظر مطلق لارتكاب جرائم تدخل في اختصاص المحكمة. وهناك التزام أساسي يتردد صداه منذ نورمبرغ، وهو أن القادة العسكريين أو الرؤساء العسكريين يجب أن يمنعوا، ويجب أن يقمعوا، ويجب أن يعاقبوا الجرائم عند ظهورها."

"إنا لله وإنا إليه راجعون"

وفي الختام، روى السيد خان قصة أم شكرت الله وأكدت قبولها بقضائه لرحيل ابنها، إلا أنها تريد فقط أن تعرف ماذا حدث له وأين هو حتى تتمكن من دفنه، فرد عليها بعبارة: "إنا لله وإنا إليه راجعون."

وشدد المدعي العام على أن قصة هذه امرأة تظهر ما تعنيه العدالة، وقال: "إنها في الحقيقة لا تتعلق بالسلطة. لا يتعلق الأمر بالأقوياء. يتعلق الأمر بأولئك الذين يريدون فقط الحصول على الأساسيات، والعيش بسلام، وعندما يعانون من الخسارة، [يريدون] معرفة ما حدث والحصول على قدر ضئيل من العدالة لأن حياة أحبائهم كانت أهم شيء في العالم بالنسبة لهم."

وقال السيد خان إن تحقيق العدالة "ليس بالمهمة المستحيلة" إذا أقيمت شراكات جديدة، وإذا كان الجميع على استعداد "للالتحام حول القيم الإنسانية، وليس فقط القواعد القانونية"، وتمنى أن يساعد ذلك في أمل أكبر لتحقيق سلام مستدام في ليبيا.

من الأرشيف: مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، طاهر السني، يلقي كلمة أمام مجلس الأمن.
UN Photo/Evan Schneider
من الأرشيف: مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، طاهر السني، يلقي كلمة أمام مجلس الأمن.

اختصاص سيادي

من جهته، أكد السفير الليبي، طاهر السني، أن بلاده ملتزمة بمحاسبة ومعاقبة مقترفي الجرائم والانتهاكات التي نص عليها القانون الوطني، عاجلاً أو آجلاً مهما كانت التحديات، وشدد على أن تحقيق العدالة على الأراضي الليبية هو "اختصاص سيادي وولاية قضائية وطنية، والقضاء الليبي ملتزم بضمان محاكمة عادلة ونزيهة لكل المطلوبين."

كما أكد أن تعاون ليبيا مع المحكمة، حسب الولاية الممنوحة لها، يأتي بناءً على مذكرة التفاهم الموقعة بين مكتب النائب العام الليبي ومكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية، "كدور مساعد ومكمل للقضاء الليبي، ولكنه ليس بأي شكل بديلاً عنه."

قال السيد السني إن مكتب النائب العام الليبي أصدر مذكرات قبض بحق المتهمين والمتورطين في الجرائم الشنيعة التي ارتكبت في ترهونة، وتم بالفعل القبض على عدد منهم، "ولكن يبقى التحدي الأبرز القبض على المختبئين والفارين خارج البلاد. لذا ندعو السيد خان بالتعاون مع مكتب النائب العام لإصدار أوامر قبض بحق هؤلاء ومن يدعمهم أو يأويهم أو يرفض تسليمهم للعدالة."

من الأرشيف: إجلاء مهاجري الدول الثالثة الذين تقطعت بهم السبل في مركز استقبال في مصراتة، ليبيا.
IOM
من الأرشيف: إجلاء مهاجري الدول الثالثة الذين تقطعت بهم السبل في مركز استقبال في مصراتة، ليبيا.

ملف المهاجرين غير الشرعيين

قال السفير الليبي إن بلاده حريصة على حماية المهاجرين غير الشرعيين ضد أي انتهاكات قد يتعرضون لها بسبب الأزمة الراهنة وتقوم بما يُمكن، رغم التحديات، لحمايتهم وإنقاذهم والعمل على ترحيلهم الطوعي متى أمكن ذلك.

وفيما أدان الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون، استغرب السيد السني موقف المجتمع الدولي السلبي تجاه تجار البشر، "حيث يتم التركيز فقط على المتورطين داخل ليبيا، في حين أننا جميعاً نعلم أن تجار البشر وشبكاتهم الدولية هي عابرة للحدود. ومواجهة هذه الظاهرة يجب أن تبدأ بالقضاء على الشبكات الدولية وقياداتها بشكلٍ كامل وفرض العقوبات عليهم، سواء في دول المصدر والعبور في أفريقيا، أو دول المقصد في أوروبا دون استثناء."

قال السيد السني إن الشعب الليبي حريصٌ كل الحرص على بناء الدولة المدنية الحديثة وإرساء مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، "وهذا لن يتحقق إلا عند تفعيل مسار المصالحة الوطنية الشاملة، والذي يبدأ بالعدالة الانتقالية وإظهار الحقيقة والمصارحة والاعتذار وجبر الضرر، والحاجة إلى الاعتراف بمعاناة أهالي الضحايا والكشف عن مصير كل المفقودين منذ 2011 وحتى الآن."

ودعا السفير الليبي المحكمة الجنائية الدولية الى الإسراع في إظهار نتائج تحقيقاتها في كل القضايا التي تتولى متابعتها في ليبيا، والكشف عن المتورطين "سواء كانوا أفراداً أو كيانات أو حتى دولا." كما دعا الدول التي تقوم "بتسيس هذا الملف" بالكف عن ذلك والمساهمة في كشف الحقيقة ودعم القضاء الوطني الليبي.