منظور عالمي قصص إنسانية

ماما نور: من دار المايقوما إلى نيويورك، رحلة لإعادة بناء حياة الأطفال والنساء في السودان

امرأة سوداء مبتسمة ترتدي حجاباً منقوشاً تحمل أوراقاً أثناء حديثها في اجتماع رسمي يجلس فيه الحضور؛ ويجلس الحاضرون الآخرون، بمن فيهم امرأة ترتدي بدلة بنية اللون وحجاباً وردياً وظهرها للكاميرا، حول طاولة.
OCHA/Matteo Minasi ماما نور خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات. فعالية على المستوى الوزاري ضمن الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة: "87 مليون حياة – الوفاء بالوعد".

ماما نور: من دار المايقوما إلى نيويورك، رحلة لإعادة بناء حياة الأطفال والنساء في السودان

أجرى الحوار: عبد المنعم مكي
المرأة

في الخرطوم، حيث كانت "دار المايقوما" المأوى الرئيس للأطفال فاقدي الرعاية الوالدية (مجهولي الأبوين) بدأت قصة نور حسين السيوطي، التي يعرفها كثيرون باسم "ماما نور". فقدت والديها في سن مبكرة ونشأت في الدار نفسها التي أصبحت لاحقا نقطة انطلاق لمسيرة كرستها لمساعدة أطفال ونساء عاشوا ظروفا شبيهة بظروفها.

ماما نور جاءت إلى نيويورك مع عدد من العاملين في مجال الإغاثة من عدة مناطق، بدعوة من توم فليتشر وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية لمشاركته "في قيادة عدد من الاجتماعات" خلال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة.

تتحدث امرأة ترتدي وشاحاً أبيض منقطاً وقميصاً أحمر، مستخدمةً الإيماءات، خلال اجتماع في المكتب. ينظر رجل ملتحٍ يرتدي بدلة إلى الطاولة، بينما يُرى رجل آخر من خلفه على الجانب الآخر من الطاولة.
OCHA/Matteo Minasi ماما نور خلال اجتماع مع وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر.

أين أسرنا وأهلنا؟

وفي حوار مع أخبار الأمم المتحدة استذكرت ماما نور، طفولتها بالقول: "عندما كنا نرى أقراننا في الرياض والمدارس، ونجد أنهم يعيشون مع أسرهم، كنا نتساءل: أين أسرنا وأهلنا؟ وكبرت هذه المشاعر معنا".

كان الفارق بين الحياة داخل مؤسسة والحياة في أسرة واضحا بالنسبة لها ولأقرانها. ورغم الرعاية التي تلقوها من القائمين عليهم، لم يكن ممكنا تعويض الطفل عن والديه الحقيقيين. تقول: "كانت التجربة مؤلمة؛ لأن تعويض الطفل عن والديه الحقيقيين وعن أسرته لم يكن أمرا ممكنا".

آثار تمتد إلى الأجيال التالية

ومع مرور السنوات، نشأت بين أطفال المايقوما رابطة أخوة قوية، جمعتهم تجربة واحدة ومصير واحد. وبالنسبة إلى ماما نور، لم تنته آثار تلك التجربة بانتهاء الطفولة. فقد ظل أثرها ممتدا إلى الأجيال التالية.

وتقول: "التجربة لم تنته بمجرد أن كبرنا وتجاوزناها. لم تنته، بل لا يزال أبناؤنا يدفعون الثمن". وقدمت رسالة إلى الآباء والأمهات: "إذا لم تكن مستعدا لأن تكون أبا حقيقيا، وإذا لم تكوني مستعدة لأن تكوني أما حقيقية، فلا تحاولا الإقدام على ذلك".

Soundcloud

حين تتحول التجربة المؤلمة إلى شمعة أمل

في عام 2007، وبعد أن أنهت الجامعة وتزوجت وأنشأت أسرتها، أسست ماما نور منظمة "شمعة". وقالت إن القرار لم يكن وليد لحظة، بل كان حلما رافقها منذ طفولتها، مدفوعا بما رأته من فجوات في الخدمات المقدمة للأطفال فاقدي الرعاية الوالدية.

وتشرح ذلك بالقول: "لم يكن الأمر قرارا مفاجئا أو فكرة ظهرت فجأة، بل كان قرارا يتشكل منذ وقت مبكر جدا، منذ أن كنت طفلة، ثم كبر معي وترعرع حتى جاء الوقت المناسب عام 2007".

ومنذ تأسيسها، ركزت منظمة شمعة على تقديم خدمات قانونية واجتماعية وتعليمية للأطفال والشباب فاقدي الرعاية الوالدية. وتشمل هذه الخدمات المساعدة في الأوراق الثبوتية، والدعم الاجتماعي، ومساندة الأطفال والشباب في الدراسة والعمل، إلى جانب منح تعليمية تمتد من رياض الأطفال حتى الجامعات.

كما عملت المنظمة على قضايا ترتبط بهوية الطفل وحقه في معرفة الحقيقة، وعلى الحد من انفصال الأطفال عن أمهاتهم. وتقدم دعما للأمهات، وتحاول مساندتهن وأسرهن للحفاظ على الطفل داخل أسرته الطبيعية، مع معالجة الحالات "بسرية وستر".

امرأة ترتدي قبعة UNICEF تحمل طفلاً رضيعاً وهي تقف بجوار حافلة. رجلان آخران، أحدهما يرتدي قميصاً عليه UNICEF ، يراقبان المشهد. يصور المشهد جهوداً لإعادة توطين الأطفال.
© UNICEF تم نقل الأطفال بأمان من دار المايقوما للأيتام في الخرطوم إلى مركز عبور في مكان أكثر أمانا.

الحرب تفرض مسارا جديدا

وقبل اندلاع الحرب في السودان عام 2023، تقول ماما نور إن شمعة عالجت مشكلات نحو خمسة آلاف أسرة. وبعد الحرب، عالجت مشكلات أكثر من ألفي طفل، لتصل الحالات التي تشير إليها إلى نحو سبعة آلاف أو ثمانية آلاف حالة.

لكن الحرب فرضت على المنظمة والأطفال والأمهات الذين ترعاهم مسارا جديدا. وتوضح ماما نور أن لدى المنظمة أكثر من 30 طفلا وأكثر من 45 أما، وأنها تمكنت، بمساعدة "منظمة صيحة"، من إجلائهم من الخرطوم إلى مدني. وعندما وصلت الحرب إلى مدني، نقلتهم المنظمة مرة أخرى إلى بورتسودان.

وتصف تلك الرحلة بأنها كانت محفوفة بالخوف والجوع والهلع والمشكلات النفسية. وتقول: "تعرضنا في كثير من اللحظات لمواقف كان فيها القتل أقرب إلينا من الحياة"، لكنها تضيف أن المنظمة تمكنت من حماية الأطفال والأمهات والوصول بهم إلى بر الأمان.

في بورتسودان، ساعدت المنظمة الدولية للهجرة وموئل الأمم المتحدة في تأهيل مبنى مدمر منحته الحكومة للمنظمة بصورة مؤقتة، ليكون مأوى للأطفال والأمهات إلى حين استقرار الأوضاع في الخرطوم.

وتقول ماما نور إن شمعة واصلت تقديم خدماتها خلال الحرب، ووصلت إلى أكثر من 600 حالة من الأمهات والأطفال، مع إعادة تأهيل نفسي واجتماعي وصحي وإعادة إدماج بعض الحالات في أسرها ومجتمعاتها.

امرأة ترتدي الحجاب تحمل طفلاً بينما تقف فتاة أخرى ترتدي الحجاب بالقرب منها، وكلاهما أمام جدار أزرق به نافذة ذات قضبان.
Ala Kheir ترحيل أطفال المايقوما إلى مدينة ود مدني.

شمعة نور تواصل التألق رغم فقدان كل شيء

ورغم فقدان ممتلكات المنظمة وتدمير خدماتها الأولى، أكدت ماما نور أن العمل مستمر. ووجهت رسالة إلى المانحين وأهل الخير قائلة: "نحن بحاجة إلى أن يقف الجميع معنا من أجل السودان".

وتضيف: "نحن بحاجة فعلية إلى الدعم"، مشيرة إلى أن الحرب خلقت فجوات كبيرة في المجتمع، وأن إعادة بناء الخدمات ضرورية لتحقيق الكرامة والرفاه للفئات التي عانت كثيرا.

وتواصل ماما نور عملها في مجال دعم النساء والأطفال، مستندة إلى تجربتها الشخصية في المايقوما، فيما تواصل منظمة شمعة تقديم خدماتها من مدينة بورتسودان، في انتظار تحسن الأوضاع والعودة إلى الخرطوم.