منظور عالمي قصص إنسانية

مؤتمر "العدالة الجنائية" في أبو ظبي- تحذير أممي من أن التكنولوجيا تحدث تحولا في طبيعة الجريمة والتصدي لها

مركز أبوظبي الوطني للمعارض ببرجه الزجاجي المنحني والمباني المحيطة به تنعكس على المياه الهادئة عند الغسق.
UNODC مركز أبوظبي الوطني للمعارض يستعد لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية.

مؤتمر "العدالة الجنائية" في أبو ظبي- تحذير أممي من أن التكنولوجيا تحدث تحولا في طبيعة الجريمة والتصدي لها

أجرى الحوار: عزت الفري
القانون ومنع الجريمة

من مكتبها في فيينا، وقبيل انعقاد مؤتمر أممي محوري في أبوظبي، تركز مونيكا جوما على حقيقة بسيطة، ألا وهي أن الجريمة تطورت بوتيرة أسرع من تطور العديد من المؤسسات التي أنشئت لمكافحتها.

تقدم الشبكات الإجرامية الآن على نقل الأموال والبضائع والمعلومات عبر الحدود بسرعة فائقة، مستغلة كل شيء بدءا من التقنيات الحديثة ووصولا إلى حالات عدم الاستقرار العالمي. 

ومع ذلك، فإن الأدوات ذاتها التي تغذي الأنشطة غير المشروعة يمكن أن تحدث تحولا جذريا في جهود مكافحتها.

فالتكنولوجيا تخلق "منظومة للتربح الإجرامي ذات نطاق عالمي واسع"، بحسب السيدة جوما، ولكن يمكن استخدامها أيضا لتعزيز استجابات أسرع وأكثر ذكاء وتنسيقا للتعامل مع التهديدات التي باتت تطال كل ركن من أركان العالم بشكل متزايد.

وستكون هذه التحديات، بما في ذلك الجرائم المرتكبة عبر الفضاء الإلكتروني وعمليات الاتجار والاحتيال عبر الإنترنت، محور النقاشات في مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة، وهو أكبر تجمع عالمي يركز على العدالة الجنائية ومنع الجريمة. يُعقد المؤتمر في الفترة بين 26 سبتمبر/أيلول والأول من تشرين الثا

وتستعد السيدة جوما لحضور هذا الحدث للمرة الأولى بصفتها المديرة التنفيذية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

تحدثنا معها حول التهديدات الإجرامية التي تعيد تشكيل العالم، وعن الفرص المتاحة للحكومات والمؤسسات للاستجابة لهذه التهديدات بفعالية أكبر. فيما يلي نص الحوار.

مونيكا جوما: ينعقد مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة كل خمس سنوات، ويوفر منصة يجتمع فيها العالم لطرح السؤال التالي: كيف تغيرت الجريمة؟

العامل الحاسم اليوم هو، بطبيعة الحال، التكنولوجيا. فقبل خمس سنوات، كان مسار تطور التكنولوجيا مختلفا تماما. أما الآن، فقد أصبحت التكنولوجيا عاملا ممكنا لارتكاب مجموعة واسعة من الجرائم في قطاعات متعددة. وما نشهده هو تداخل بين أنواع مختلفة من الجرائم، مما يخلق منظومة للتربح الإجرامي تمتد آثارها ونطاقها إلى جميع أنحاء العالم.

فبفضل التكنولوجيا، يمكن أن يصبح ملايين الأشخاص أهدافا في أجزاء من الثانية، دون الحاجة إلى وسطاء أو حتى عبور الحدود الجغرافية.

تجلس مونيكا جوما، المديرة التنفيذية UNODC ، على كرسي مرتديةً سترة صفراء منقوشة، وتشير بيدها أثناء حديثها خلال مقابلة، وخلفها علم United Nations .
UNIS Vienna/Laura Skocek مونيكا جوما، المديرة التنفيذية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، خلال مقابلة مع أخبار الأمم المتحدة وخدمة الأمم المتحدة للإعلام في فيينا.

أخبار الأمم المتحدة: كيف يمكن لمؤتمر منع الجريمة المساعدة في ضمان عدم تخلف أنظمة العدالة وتنفيذ القانون في البلدان النامية عن الركب، في ظل اتساع الفجوة الرقمية العالمية؟

مونيكا جوما: في الواقع، التكنولوجيا لا تترك أحدا خلف الركب. فالبلدان التي تعتبر متقدمة جدا تكنولوجيا هي عرضة للمخاطر تماما مثل البلدان الأقل تقدما، إذ إن المجرمين المنظمين لا تعيقهم الحدود الجغرافية. 

لم يعد المهربون يعتمدون فقط على نقل الأشخاص عبر الحدود باستخدام القوارب، بل باتوا يستخدمون أيضا التكنولوجيا والمعلومات المضللة لخلق فرص عمل وهمية، وأحيانا يتسللون إلى سلاسل التوريد الخاصة بالشركات المشروعة، بما في ذلك الخدمات المصرفية.

ولهذا السبب بالتحديد تكتسب منصة مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة أهمية بالغة. وهذه هي قيمة الأمم المتحدة: قدرتنا على جمع كافة الأطراف حول طاولة واحدة، وهو ما سنشهده في أبوظبي، حيث سيكون هناك تمثيل من جميع أنحاء العالم.

في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، نعمل بشكل متزايد على إنشاء منصات للتواصل والتعاون عبر الحدود والقطاعات؛ لتشمل، على سبيل المثال، المحققين، والمدعين العامين، ومسؤولي تنفيذ القانون، والمسؤولين القضائيين، وحتى الصحفيين الاستقصائيين. 

والهدف من ذلك هو خلق تلاق بين الكفاءات والخبرات، بحيث يمكن توظيفها بسرعة لنقل المعلومات أو الأدلة أو الشكوك إلى الجهة القادرة على اتخاذ إجراءات فورية بشأنها.

نحن نشجع الدول على تعزيز التعاون فيما بينها، بما في ذلك في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية والتحليل الجنائي وغيرها، إلا أن القدرة على ترجمة هذا التعاون إلى واقع ملموس لم تتحقق بالكامل بعد من جانب الدول الأعضاء. فالأمر يتطلب وجود سياسات وعلاقات وآليات عمل مناسبة.

أخبار الأمم المتحدة: ما أهمية اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم السيبرانية؟

مونيكا جوما: اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم السيبرانية بالإجماع عام 2024، وقد وقعت عليها بالفعل أكثر من 80 دولة. توفر الاتفاقية مجموعة أدوات شاملة تسهل التعاون بين الدول وتضع معايير موحدة تتيح استجابة أسرع وأكثر مرونة للتهديدات المشتركة.

رجل يرتدي قبعة زرقاء وامرأة ترتدي قميصًا منقوشًا يشغلان جهاز كمبيوتر محمولًا وماسحًا ضوئيًا محمولًا باليد مثبتًا على كومة من جذوع الأشجار المقطوعة.
UNODC تدريب على تحديد أنواع الأخشاب في مدرسة الجمارك في هونغ ين، فيتنام.

ندعو الدول ونشجعها على التصديق على الاتفاقية لكي تدخل حيز التنفيذ، إذ إن الاستفادة الكاملة منها ستظل محدودة ما لم يحدث ذلك.

صحيح أن التصديق عملية تشريعية داخلية، إلا أن العديد من الدول التي تحدثت معها شخصيا أشارت إلى أن هذه العملية جارية بالفعل، ونأمل أن تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ قريبا.

أخبار الأمم المتحدة: يجبر مئات الآلاف من ضحايا الاتجار بالبشر على ارتكاب جرائم إلكترونية في مراكز احتيال واسعة النطاق ومتنامية باستمرار. كيف يمكن لمؤتمر منع الجريمة معالجة محنتهم؟

مونيكا جوما: بادئ ذي بدء، تعد مراكز الاحتيال هذه أزمة عالمية حقيقية. فقد أشار تقريرنا الأخير حول مراكز الاحتيال في جنوب شرق آسيا إلى أن الضحايا ينتمون إلى أكثر من 80 جنسية من جميع أنحاء العالم. إنه وضع عالمي يتوسع بشكل متسارع؛ بل إن مراكز الاحتيال هذه تشكل جائحة حقيقية إذا نظرنا إليها عن كثب.

غالبا ما تبدو هذه المراكز على أنها فرصا حقيقية لتجذب الشباب الفضوليين الراغبين في العمل واستكشاف العالم. ومن الأهمية بمكان النظر إليهم كضحايا لا كجناة، وتحديد الجناة الحقيقيين؛ أي أولئك الذين يخدعونهم ويجندونهم ويضللونهم.

سماعة رأس سوداء مزودة بميكروفون موضوعة فوق شاشة كمبيوتر في بيئة مكتبية.
© UNODC / Laura Gil مركز احتيال عبر الإنترنت كانت تديره عصابة في مانيلا بالفلبين وتمت مداهمته.

كما أنه من الضروري حماية حقوق الضحايا ودعمهم من خلال برامج إعادة التأهيل والعلاج. فقد مر بعضهم بتجارب صادمة للغاية، شملت التعذيب وسوء المعاملة، وهي تجارب ستلازمهم لفترة طويلة. 

ومن جانبنا، يواصل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة دعم بناء القدرات داخل نظم العدالة الجنائية للتعامل بفعالية مع الضحايا والفئات المستضعفة العالقة في هذه الظروف المؤسفة.

أخبار الأمم المتحدة: ما الذي يمكن فعله لضمان خروج مؤتمر منع الجريمة بحلول حقيقية في ظل تزايد الاستقطاب الجيوسياسي والتوترات العالمية؟

مونيكا جوما: صحيح أن العالم يمر بوضع مثير للقلق، ولكن الصحيح أيضا أن خطر الجريمة أمر يشعر به الناس يوميا في جميع أنحاء العالم.

من المستحيل تحقيق أي مستوى من الإنتاجية أو الاستدامة في ظل غياب الأمن على المستويات الشخصية أو المحلية أو المجتمعية؛ وهو ما تتسبب فيه المخدرات والجريمة. إنها تؤثر على الناس على كافة المستويات، وهذا الواقع يسهل التعاون والبحث عن حلول.

وهكذا، نحن أمام وضع تتلاقى فيه التهديدات مع الرغبة في إيجاد الحلول. فيما نتوجه إلى أبوظبي، لا يوجد أي جدل حول أهمية هذا الأمر. نأمل في البناء على الحلول التي طرحت في كيوتو (حيث أقيم مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة عام 2021) لمعالجة التهديدات الراهنة التي تتفاقم بفعل متغيرات جديدة ومؤثرة، مثل التكنولوجيا. 

ننظر إلى دور التكنولوجيا في مساعدتنا على الاستجابة بمرونة وفعالية أكبر، بما يتيح لنا استعادة بيئات أكثر أمانا ومجتمعات آمنة، وعلى أمل، تحقيق ازدهار أفضل للعالم.