منظور عالمي قصص إنسانية

الذكاء الاصطناعي يسهم في إيصال الغذاء إلى الأسر الأكثر جوعا في الصومال

امرأة ترتدي حجاباً برتقالياً زاهياً تسير عبر أرض قاحلة متربة في مخيم للنازحين في بورهاكابا، الصومال. في الخلفية، تتجمع العديد من الملاجئ المؤقتة المبنية من أغطية قماشية كبيرة وملونة تحت سماء صافية غائمة جزئياً.
© WFP/Sara Cuevas Gallardo تعيش العائلات التي نزحت من منازلها في ملاجئ في منطقة بورهاكابا في الصومال.

الذكاء الاصطناعي يسهم في إيصال الغذاء إلى الأسر الأكثر جوعا في الصومال

بقلم: أيزيا شتاينبرغ
حقوق الإنسان

يواجه الصومال موجات جفاف ناجمة عن التغير المناخي تليها فيضانات، فضلا عن صراع عنيف مستمر منذ 35 عاما أودى بحياة مئات آلاف الأشخاص. وفي ظل تفاقم أزمة الجوع هناك، يساهم الذكاء الاصطناعي في إيصال المساعدات إلى الأشخاص الأكثر احتياجا. 

لا يستطيع بـرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الوصول إلى جميع الصوماليين الستة ملايين الذين يواجهون الجوع، إلا أن البيانات التي يجمعها شركاؤه - والتي تُحلل باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي عبر منصة تتبع الجوع "HungerMap Live" - تساعد البرنامج على توجيه الموارد إلى مناطق محددة قبل تدهور الأوضاع.

يستورد الصومال، الذي يقع في منطقة القرن الأفريقي، معظم احتياجاته الغذائية، مما يجعله عرضة لصدمات الأسعار العالمية، مثل تلك الناجمة عن الصراع الحالي في الشرق الأوسط.

يقوم أحد العاملين في WFP بقياس ذراع طفل صومالي صغير يحمله أحد مقدمي الرعاية في بورهاكابا.
© WFP/Sara Cuevas Gallardo يتم إجراء فحص سوء التغذية لأحد الأطفال في بورهاكابا، الصومال.

وفي شهر حزيران/يونيو، أدرج برنامج الأغذية العالمي ومـنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) الصومال ضمن قائمة "بؤر الجوع الساخنة التي تثير قلقا بالغا" - إلى جانب شمال شرق نيجيريا - لينضم بذلك إلى السودان وجنوب السودان واليمن وفلسطين.

اقرأ أيضا: 

سايمون رينك، رئيس قسم تحليل ورسم خرائط مواطن الضعف في برنامج الأغذية العالمي بالصومال، يقول: "إنه وضع مأساوي للغاية، وأنا أشعر بقلق شديد إزاء الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة".

استخدام الذكاء الاصطناعي في منطقة "بورهاكابا"

في مقاطعة "بورهاكابا"، التي تقع على بعد حوالي 180 كيلومترا شمال غرب العاصمة مقديشو، تكتظ المراكز الطبية المحلية بأطفال يعانون من سوء تغذية حاد وخطير.

العاملون في المجال الإنساني التابعون لبرنامج الأغذية العالمي تمكنوا من تحديد الاحتياجات العاجلة للمقاطعة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في منصة "HungerMap Live".

وبناء على هذه المعلومات، قدمت الوكالة مساعدات غذائية لـ 48 ألف شخص، ودعما غذائيا لـ 3 آلاف امرأة وطفل.

وصرح رينك لأخبار الأمم المتحدة قائلا: "بدلا من انتظار تفاقم حالة سوء التغذية لدى الأطفال وما قد يترتب على ذلك من نزوح أو حتى وفاة، تمكنا من معرفة الوضع مسبقا". 

تقنية قديمة، وإمكانات جديدة لإنقاذ الأرواح

أُطلقت منصة تتبع الجوع لأول مرة في كانون الثاني/يناير 2020 لمراقبة الأمن الغذائي في أكثر من 90 دولة؛ وهي منصة متاحة للجمهور تستخدم بيانات حول انعدام الأمن الغذائي، والمناخ، والاقتصاد، والزراعة، والتضخم، وغيرها، لتحديد المناطق التي تعاني حاليا من انعدام الأمن الغذائي أو تلك التي تتجه نحو هذا الوضع.

ورغم أن النسخة الأولية من المنصة استخدمت الذكاء الاصطناعي لتقدير مستويات انعدام الأمن الغذائي في البلدان التي تفتقر إلى بيانات كافية، إلا أن قدرتها على التنبؤ بأزمات الجوع المستقبلية كانت محدودة، كما أنها لم تكن تتتبع الجودة الغذائية للوجبات في تلك البلدان.

هنا تأتي النسخة المحدثة؛ فقد أطلق برنامج الأغذية العالمي هذا التحديث في شهر أبريل، وشمل تجديدا شاملا لواجهة المستخدم وإضافة ميزات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي التنبؤي، مما يتيح للحكومات والمكاتب الميدانية للبرنامج حول العالم حشد الموارد والتحرك قبل تفاقم الأزمات.

تنتظر النساء والأطفال العلاج في مركز صحي في بورهاكابا، الصومال.
© WFP/Sara Cuevas Gallardo نساء وأطفال في أحد المراكز الصحية في بوركاهابا.

يقول رينك: "تساعدنا هذه النسخة الجديدة ليس فقط في تحديد أماكن انتشار الجوع، بل أيضا في تفسير أسباب تدهور الأوضاع وتوقع المناطق التي قد تشهد تدهورا في المستقبل".

ورغم أن البيانات المستمدة من المنصة لا تغني عن التقييم الميداني المباشر، إلا أنها تساعد فريق برنامج الأغذية العالمي في الصومال على تحديد المجتمعات التي تحتاج إلى المساعدة أولا، ونوع المساعدة الأكثر فائدة لكل مجتمع - سواء كانت مساعدات نقدية أو مساعدات متخصصة لمعالجة سوء التغذية.

تحديد أولويات المساعدة في الصومال

في بلد يعاني فيه 6 ملايين شخص من مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي، لا يستطيع برنامج الأغذية العالمي الوصول إلا إلى شخص واحد من بين كل عشرة أشخاص محتاجين.

وأوضح رينك أن مكتب البرنامج في الصومال يحتاج إلى 192 مليون دولار إضافية في الفترة الممتدة من الآن وحتى كانون الثاني/يناير 2027 للوصول إلى جميع المحتاجين للغذاء.

وفي ظل محدودية الموارد، أشار رينك إلى أن الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تساعد الوكالة في تحديد أولويات المجتمعات وتقليص الفجوة الزمنية بين الإنذار المبكر والتحرك الفعلي لإنقاذ الأرواح.

ومن خلال استخدام الذكاء الاصطناعي، يحلل برنامج الأغذية العالمي بيانات تنبؤية تتعلق بنقص هطول الأمطار، ومخاطر الفيضانات، وأسعار السوق، والنزاعات، ومؤشرات التغذية حول العالم، وذلك للتنبؤ بمواقع تفشي الجوع مستقبلا؛ مما يتيح للحكومات اتخاذ تدابير وقائية، ويسمح للبرنامج وشركائه بتجهيز المساعدات الحيوية مسبقا وتوزيعها في المواقع الاستراتيجية. 

الوقت عامل حاسم

ويقول سيمون رينك، رئيس قسم تحليل ورسم خرائط مواطن الضعف في برنامج الأغذية العالمي في الصومال: "إن هذه المنصة والحلول المختلفة ليست مصممة لجعل قضية الجوع مسألة تقنية أو مجردة؛ فما أراه هو أن الهدف الجوهري يتمثل في تقليص الفترة الزمنية الفاصلة بين الإنذار المبكر واتخاذ قرار فعلي، وذلك لحماية الأسر والأفراد قبل أن يصل الوضع إلى مرحلة لا يمكن تدارك عواقبها".

غير أن رينك شدد على أن استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في اتخاذ قرارات صعبة لا يغير من حقيقة أن معظم الصوماليين المحتاجين للمساعدة لن يتمكنوا من الحصول عليها.

وأضاف: "هذه التقنية تساعدنا على تحديد الأولويات استنادا إلى أدلة أقوى، لكنها في حد ذاتها لا تجعل من نقص الدعم أمرا مقبولا".