"نعيش كابوسا"، منسق عملية السلام في الشرق الأوسط يحذر من مفترق طرق قاتم، ويدعو لتغيير المسار الخطير
قال منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، تور وينسلاند إنه بعد عام من الحرب المروعة وإراقة الدماء في الشرق الأوسط، أصبحت المنطقة عند مفترق طرق قاتم، داعيا المجتمع الدولي للتحرك الآن من أجل "تغيير المسار الخطير الذي نسلكه".
وفي إحاطته أمام جلسة لمجلس الأمن الدولي اليوم الاثنين لمناقشة الوضع في الشرق الأوسط، حذر وينسلاند من "إننا نعيش كابوسا"، وأن "الصدمة والحزن اللذين أُطلِق لهما العنان لا يمكن قياسهما".
وأشار المسؤول الأممي إلى أن الحرب الطاحنة والحملة العسكرية الإسرائيلية المدمرة في غزة تسببت في دمار شامل وخسائر فادحة، وأن الهجمات الإرهابية المروعة التي شنتها حماس داخل إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وقتل الجماعات المسلحة الفلسطينية الرهائن والاستمرار في احتجازهم في ظروف لا تطاق، عصفت بإسرائيل. وأضاف: "ستتردد أصداء هذه الأحداث لأجيال وتشكل المنطقة بطرق لا يمكننا استيعابها بالكامل بعد".
وأوضح وينسلاند كذلك أن الوضع الإنساني في غزة، مع بداية فصل الشتاء، "كارثي"، وخاصة التطورات في شمال غزة مع نزوح واسع النطاق وشبه كامل للسكان وتدمير واسع النطاق وتطهير الأراضي، وسط ما يبدو وكأنه تجاهل مقلق للقانون الدولي الإنساني.
وأكد أن الظروف الحالية في غزة "هي من بين أسوأ الظروف التي شهدناها خلال الحرب بأكملها ولا نتوقع تحسنها".
"فوضى أعظم"
وتحدث المسؤول الأممي عن الوضع في الضفة الغربية المحتلة، التي "لا تزال عالقة في دوامة مدمرة من العنف واليأس". وأشار إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين في المنطقة ( أ )، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تبادل إطلاق النار مع المسلحين الفلسطينيين، في حين تستمر الهجمات الفلسطينية ضد الإسرائيليين وارتفاع مستويات العنف المرتبط بالمستوطنين.
وحذر كذلك من استمرار التوسع الاستيطاني دون هوادة، حيث اتخذت الحكومة الإسرائيلية العديد من الخطوات لتسريع التقدم الاستيطاني، حيث يدعو بعض الوزراء الآن علنا إلى الضم الرسمي للضفة الغربية في الأشهر المقبلة، وإنشاء مستوطنات في غزة.
وأضاف وينسلاند: "في ضوء التطورات في غزة وإقرار إسرائيل مؤخرا لقوانين ضد عمليات وكالة الأونـروا، يتعين علي أن أصدر تحذيرا عاجلا مفاده أن الإطار المؤسسي لدعم الشعب الفلسطيني والدولة الفلسطينية على وشك الانهيار، مما يهدد بإغراق الأرض الفلسطينية المحتلة في فوضى أعظم".
دعوة للمجتمع الدولي
ونبه منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط إلى أن الخطوات التي يتم اتخاذها على الأرض في غزة والضفة الغربية المحتلة "تبعدنا أكثر فأكثر عن عملية السلام وعن الدولة الفلسطينية القابلة للحياة في نهاية المطاف".
وشدد كذلك على أنه رغم أن الاستعدادات للتعافي وإعادة الإعمار جارية على قدم وساق، فإن الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار لن تكون أكثر من مجرد مساعدات مؤقتة في غياب حل سياسي.
وأضاف: "إذا لم يتمكن الطرفان من إيجاد طريق للخروج من الحرب الدائمة، فإن المجتمع الدولي لابد وأن يحدد الطريق إلى الأمام". وأفاد بأنه لابد وأن يضع المجتمع الدولي علامات واضحة لكيفية إنهاء الحرب في غزة على النحو الذي يمهد الطريق لمستقبل سياسي قابل للاستمرار.
التأكيد على عدد من المبادئ
وحدد وينسلاند مجموعة من المبادئ التي تحتاج إلى الحماية والاهتمام العاجلين، بما فيها أن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية ولابد وأن تظل كذلك، دون أي تقليص في مساحتها.
وأكد كذلك أنه لا ينبغي أن يكون هناك وجود عسكري إسرائيلي طويل الأمد في غزة، وفي الوقت نفسه لابد وأن يتم التعامل مع المخاوف الأمنية المشروعة لإسرائيل. وأضاف أنه ينبغي توحيد غزة والضفة الغربية سياسيا واقتصاديا وإداريا، وأن تحكمهما حكومة فلسطينية يعترف بها ويدعمها الشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي.
وقال المسؤول الأممي إنه "لا يمكن أن يكون هناك حل طويل الأمد في غزة لا يقوم على أساس سياسي". وأضاف وينسلاند أن هناك حاجة إلى إطار سياسي يسمح للمجتمع الدولي بحشد الأدوات ووضع جدول زمني لإنهاء هذا الصراع، على أساس مبادئ معترف بها جيدا، مع القدرة على الاستفادة من نقاط القوة والموارد ونفوذ المنطقة والشركاء الدوليين مع الأطراف.
فلسطين
السفير رياض منصور، المراقب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة قال إن "العنف طريق مسدود". وأضاف: "منطقتنا لا تحتاج إلى المزيد من القتل، بل إلى حل سياسي عادل. والحل ليس في اختفاء شعب واحد، بل في القبول والوجود المتبادلين. وليس في أن تَقتُل أو تُقتَل، بل في العيش والسماح للآخرين بالعيش".
وأوضح أن مسار العمل الوحيد الذي يتعين على مجلس الأمن أن يتخذه، إذا كان له أن يحتفظ بأي قدر من المصداقية هو "المطالبة بوقف إطلاق النار الفوري وغير المشروط بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة".
وشدد على أن الاختيار بسيط، "بين الاحتلال والحرية، والضم والاستقلال، والفصل العنصري وكرامة الحقوق العالمية، والقمع والتعايش، والاختيار بين الحرب والسلام". ودعا جميع الدول إلى التحرك لحماية المدنيين، والاعتراف بدولة فلسطين، وتنفيذ الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، واحترام الالتزامات القانونية الدولية، دون استثناء، ودون خوف أو محاباة.
ودعا منصور كذلك إلى التحرك بشكل حاسم لإنهاء أنشطة الاستيطان في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، بما في ذلك اتخاذ إجراءات ضد المسؤولين الإسرائيليين، "قبل أن نرى المستوطنات تُبنى مرة أخرى في غزة".
وحض على دعم المبادرات الرامية إلى تحقيق السلام العادل والدائم، "من خلال الأفعال، وليس الأقوال فقط". وقال السفير الفلسطيني إن ما هو غير واقعي هو الاعتقاد بأن قمع أمة بأكملها سيؤدي إلى السلام والأمن، "وأن أحد الجانبين يمكنه ببساطة القضاء على الجانب الآخر".
وأكد منصور أن مسارا مختلفا ممكن، "إذا رفضنا هذا العجز الذي فرضناه على أنفسنا". وأضاف أن "التحلي بالواقعية يعني رفض الاستسلام لواقع الموت والدمار، والاحتلال والصراع، والكراهية والحرب، والعمل بدلا من ذلك معا لرسم مسار ينهي هذه الإبادة الجماعية، وينهي هذا الاحتلال ويضمن سيادة إرادتنا الجماعية من أجل الحرية والعدالة والسلام على هذا الواقع".
إسرائيل
الممثل الدائم لدولة إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون قال إن بلاده لن تتخلى عن الرهائن، ولن تتوقف عن القتال من أجل تحريرهم. وأضاف: "يستطيع مجلس الأمن ويجب عليه أن يساعد في إدانة حماس، والمطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الرهائن".
ودعا المجلس إلى تحويل التركيز على "المنظمة الإرهابية التي تستغل المدنيين في غزة للقضاء على إسرائيل". وقال إنه بينما تواصل بلاده القتال لتحرير الرهائن، ومحاربة الإرهابيين عبر غزة، فإنها لم تغفل الجهود الإنسانية، مشيرا إلى أنه في الأسبوع الماضي دخلت 100 شاحنة مساعدات غزة عبر معبر كرم أبو سالم ومعابر أخرى.
وأشار إلى أن هناك فشلا من جانب الوكالات في استلام المساعدات، مشددا على أن بلاده ستواصل أداء واجبها في هذا الصدد.
وأضاف أنه لا يجب على الأمم المتحدة أن تكثف جهودها في توزيع المساعدات فحسب، "بل يجب أن يتحول التركيز أيضا إلى اختطاف حماس المستمر للمساعدات الإنسانية لتغذية آلة الإرهاب والبؤس". وقال دانون إنه يتعين على المجتمع الدولي الانضمام إلى جهود بلاده الرامية إلى "استعادة السيادة اللبنانية على جنوب لبنان، وتحرير الشعب اللبناني من الإيرانيين، وتطبيق قرارات هذا المجلس ذاته".
ونبه إلى أن "إيران هي المحرض على عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. إن طموحات إيران الملطخة بالدماء لن تنتهي إلا عندما نقول جميعا كفى". وأضاف أن طموحات إيران النووية تشكل تهديدا ليس فقط لإسرائيل، بل ولكل دولة عضو في الأمم المتحدة.
وختم كلامه بالقول: "سيتذكر التاريخ من وقف معنا من أجل الحفاظ على السلام والعدالة، ومن سمح للإرهاب بالازدهار".
لبنان
مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير هادي هاشم الذي تحدث بالنيابة عن المجموعة العربية، قال إن المجموعة تجدد دعوتها "للتصدي للعدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة ولبنان، ولوضع حد للانتهاكات الإسرائيلية الخطيرة لميثاق الأمم المتحدة وللقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني".
وأضاف أن المجموعة العربية تحذر من خطر التصعيد الذي يعصف بالمنطقة وتبعاته الإقليمية والدولية، ومن "توسع رقعة العدوان الذي تجاوز قطاع غزة، وامتد ليشمل لبنان".
وقال هاشم إن المجموعة العربية تدين سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها إسرائيل واستخدام الحصار والتجويع سلاحا ضد المدنيين في قطاع غزة، ومواصلة تبني وإقرار الكنيست الإسرائيلي "للقوانين العنصرية وغير الشرعية ضد وكالة الأونروا".
وأفاد بأن المجموعة العربية تدين بأشد العبارات "الجرائم الإسرائيلية المروعة في قطاع غزة في سياق جريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي خاصة في شمال القطاع خلال الأسابيع الماضية". وأوضح أن المجموعة تطالب مجلس الأمن بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة وذات مصداقية للتحقيق في هذه الجرائم، واتخاذ خطوات جدية لمنع طمس الأدلة والبراهين لمساءلة ومحاسبة مرتكبيها وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
وأشار إلى أن المجموعة العربية تتطلع إلى المؤتمر الإنساني الذي ستستضيفه القاهرة في الثاني من كانون الأول/ديسمبر القادم، في سياق جهود توفير الدعم الإنساني الكافي للقطاع. وأضاف أن المجموعة العربية "تؤكد على أن السلام العادل والشامل في المنطقة، لا يمكن تحقيقه دون إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي العربية المحتلة".
وقال هاشم بصفته مندوبا دائما للبنان إن "الأساس يبقى هو وقف العدوان ووقف إطلاق النار فورا، وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة". ونبه إلى أنه كلما استمرت إسرائيل بخروقاتها البرية والبحرية والجوية لسيادة لبنان، وتهربت من إظهار الحدود البرية المعترف بها دوليا، "كلما ساهمت بالتأسيس لحروب مستقبلية نعمل جاهدين لتلافيها".