مسؤولة أممية بعد قصف النبطية: معاناة المدنيين في لبنان تصل إلى مستويات غير مسبوقة
قالت منسقة الأمم المتحدة الخاصة للبنان إن الغارات الجوية الإسرائيلية قصفت اليوم بلدة النبطية جنوب لبنان مرة أخرى وإن وزارة الصحة اللبنانية أكدت مقتل 5 أشخاص في الهجوم إلا أن العدد قد يرتفع بعد إزالة الركام.
وفي بيان صحفي قالت المنسقة الأممية جينين هينيس بلاسخارت إن السلطات اللبنانية أكدت أيضا تعرض مبنى البلدية للقصف في ظل ورود تقارير تثير القلق تفيد بأن رئيس بلدية النبطية من بين القتلى.
وأضافت المسؤولة الأممية أن هذا الهجوم يأتي بعد حوادث أخرى استهدفت المدنيين والبنية التحتية المدنية بأنحاء لبنان. وذكرت أن ما ورد اليوم عن مقتل أحد المسعفين الإنسانيين هو للأسف جزء من هذا النهج.
وشددت على الرفض التام لانتهاكات للقانون الدولي الإنساني، وعلى ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية في جميع الأوقات. وقالت بلاسخارت إن معاناة المدنيين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل استمرار توسع رقعة وكثافة تبادلات إطلاق النار.
وأكدت أن الحلول العسكرية لن، ولا تستطيع أن تحقق السلامة أو الأمن لأي جانب على الخط الأزرق. وشددت على ضرورة أن توقف جميع الأطراف المعنية إطلاق النار فورا وأن تفتح الباب للحلول الدبلوماسية القادرة على تحقيق احتياجات المواطنين وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
أضرار مادية بمرافق أممية
وقالت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (الـيونيفيل) إن تبادل إطلاق النار المكثف على طول الخط الأزرق- الفاصل بين لبنان وإسرائيل- وخارجه استمر خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
وفي المؤتمر الصحفي اليومي قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن اليونيفيل سجلت 58 انتهاكا جويا، وهو أعلى رقم خلال 24 ساعة منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ورصدت البعثة كذلك 1279 قذيفة عبر الخط الأزرق، وهو ثالث أعلى رقم منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، انطلق 1208 منها من جنوب الخط الأزرق باتجاه الشمال، و71 انطلقت من الشمال باتجاه الجنوب عبر الخط الأزرق.
ونقل دوجاريك عن اليونيفيل أن النيران غير المباشرة وإطلاق النار بالقرب من مواقع الأمم المتحدة تسبب في أضرار مادية لمعدات ومرافق الأمم المتحدة بالقرب من دير عامص في القطاع الغربي وشبعا في القطاع الشرقي من منطقة عمليات قوات حفظ السلام، مضيفا أنه لحسن الحظ، لم يُصب أي من حفظة السلام في تلك الحوادث.
لكنه شدد على أن تلك الحوادث لا تزال تعرض قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، الذين يخدمون في جنوب لبنان لدعم تنفيذ قـرار مجلس الأمن رقم 1701، لخطر جسيم. وأكد مجددا على ضرورة ضمان سلامة وأمن موظفي الأمم المتحدة وممتلكاتها من قبل جميع الأطراف الفاعلة على الأرض، وعلى ضرورة احترام حرمة مباني الأمم المتحدة في جميع الأوقات من قبل جميع الأطراف.
"الوقت ليس في صالحنا"
بعد زيارة للبنان عقد مسؤولان في منظمة الـيونيسف وبرنامج الأغذية العالمي مؤتمرا صحفيا في مقر الأمم المتحدة حول الأوضاع الإنسانية هناك. تيد شيبان نائب المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ذكَّر بأن الصراع المتصاعد أدى إلى نزوح 1.2 مليون شخص، بمن فيهم ما يقرب من 400 ألف طفل.
وأضاف أن ما يقرب من 190 ألف شخص من الذين أجبروا على ترك منازلهم يعيشون في ملاجئ مؤقتة على أمل الحصول على مظهر من مظاهر الأمان، في حين يسعى عدد لا يحصى من الآخرين إلى اللجوء إلى أي شخص يمكنه أن يوفر لهم سقفا ومكانا للراحة.
وأشار شيبان الذي كان يتحدث عن زيارته التي قام بها قبل أيام إلى للبنان، إلى أن هذا العدد من النازحين يمثل 20 في المائة من إجمالي عدد السكان، مضيفا أنه بالمقارنة بالولايات المتحدة، "تخيل المعدل الذي نتحدث عنه إذا نزح 20 في المائة من سكان الولايات المتحدة".
ونبه إلى أن هناك أصداء مقلقة للغاية في هذا الوضع بين الأطفال والأسر المتضررة في لبنان، من الحرب في غزة. وأضاف: "لقد دمرت الصراعات حياة الأطفال في لبنان، والأطفال في فلسطين، بل وحتى الأطفال في إسرائيل وفي مختلف أنحاء المنطقة. وكل هؤلاء الأطفال في أمس الاحتياج إلى وضع حد للعنف الذي يسرق سلامتهم وتعليمهم وطفولتهم".
وقال المسؤول الأممي: "الوقت ليس في صالحنا"، مشددا على أن التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وليس مجرد توقف للقتال، "هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء الحياة واستعادة الأمل".
تلبية احتياجات الأطفال
نائب المديرة التنفيذية لمنظمة اليونيسف قال إن الأطفال في لبنان يعانون الآن "من كوابيس القصف وفقدان الأحباء ومحو منازلهم ومدارسهم". وتحدث عن لقائه بالطفلة زينب التي تبلغ من العمر 11 عاما في أحد الملاجئ في بيروت، قائلا "أخبرتني بإصرار وهي ترسم صورا لمنزلها المدمر، بأن رغبتها الرئيسية هي العودة إلى هناك. لقد هربت هي وعائلتها من المنزل عندما سقطت القنابل. قالت زينب إنها تعلم أنها محظوظة لأنها على قيد الحياة".
وأكد شيبان أن فرق اليونيسف تعمل على مدار الساعة لتلبية احتياجات الأطفال من كل زاوية، بما في ذلك ضمان تدفق المياه الآمنة وتزويد الملاجئ بمستلزمات الصرف الصحي والصابون والشامبو، وربط النازحين بخدمات الرعاية الصحية الأولية، والاستجابة لمشاكل الصحة العقلية للأطفال، والبحث عن الأسر وإعادة جمع الأطفال المفقودين، وتوصيل 167 طنا من الإمدادات الطبية لمساعدة النساء الحوامل والأطفال المصابين، والحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها.
وأشار كذلك إلى تنظيم برنامج الأغذية العالمي واليونيسف قوافل مساعدات تنطلق إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها مع الإمدادات الأساسية لكل طفل. لكنه أشار إلى أنهم أمام عدد من النقاط المفصلية مشيرا إلى الحاجة الماسة إلى تحديث البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في أكثر من 1000 مأوى.
وأضاف أن هناك حاجة للاستعداد لدعم الأسر مع برودة الجو ودخول فصل الشتاء، وإيجاد حلول تعليمية بديلة للأطفال المتضررين لتجنب خسارة جيل كامل. وشدد على أنه يجب على جميع الأطراف في هذا الصراع إعطاء الأولوية لحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مضيفا أن "الأطفال والأسر في لبنان يحتاجون إلى السلام قبل كل شيء".
تشابه مذهل
وفي نفس المؤتمر الصحفي، تحدث نائب المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو الذي عاد للتو هو الآخر من لبنان حيث لفت إلى أن أوجه التشابه بين ما يحدث الآن في لبنان وغزة "مذهلة". وأشار إلى عدم وجود حمامات في المدارس التي تحولت إلى ملاجئ، وأن الناس لم يتحمموا لمدة ثلاثة أسابيع، منبها إلى الشعور باليأس الذي أصاب الناس الذين فقدوا كل شيء.
وقال سكاو الذي كان يتحدث عبر الفيديو من روما: "عندما كنا هناك، تصاعد القتال، وكنا نرى على الطرقات أن النزوح مستمر. وكانت هناك حافلات صغيرة مكتظة، متجهة شمالا، وكان يمكننا سماع القصف". وأوضح أنه في حين أن الكرم والتضامن بين الناس هناك أمر رائع ويجب الإشادة به، "يمكنك أيضا أن تشعر بالتوتر بين الجماعات. النسيج الاجتماعي يواجه تحديا حقيقيا".
وأشار إلى لقائه بمسيحيين في بلدات ذات أغلبية مسيحية، والذين يشعرون بالقلق من أن يصبحوا هدفا، مع وجود النازحين بينهم، ولقائه بعائلات شيعية تشعر بأنها تتعرض للتمييز، مضيفا "هذا حقا شيء يجب مراقبته بعناية شديدة بالنظر للتاريخ".
الحاجة إلى وصول منتظم
نائب المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي تحدث عن تمكن البرنامج من تكثيف الجهود بسرعة، والعمل مع الشركاء حيث يقدمون يوميا لنحو 200 ألف شخص طعاما جاهزا ونقودا، وأن لدى البرنامج القدرة على توسيع نطاق المساعدة إلى مليون شخص.
وقال سكاو: "ما نتطلع إليه الآن، هو أولا تحديد وبدء البحث عن طرق لدعم أولئك الذين هم خارج الملاجئ. وهذا ليس سهلا مثلما هو الحال مع من هم داخل الملاجئ". وشدد كذلك على أن هناك حاجة إلى أن يكون الدعم أكثر استدامة، مشيرا إلى البحث عن طرق لإنشاء مطابخ مجتمعية.
ونبه إلى ضرورة مراعاة تعزيز التماسك الاجتماعي في كل ما يقومون به. وأشار إلى أن هناك حاجة للوصول إلى الجنوب، وأن يكون هناك نظام تنسيق إنساني أكثر فعالية، مضيفا "أن هناك ما بين 30 و40 ألف شخص عالقون هناك، ويحتاجون لأن يتم الوصول إليهم بشكل منتظم".
"أزمة داخل أزمة"
وتحدث المسؤول الأممي كذلك عن لقائه بسوريين على الحدود، مشيرا إلى "عائلات تمزقت، لا تعرف ما إذا كانت العودة هي الشيء الصحيح، نظرا لعدم اليقين الذي كان ينتظرهم على الجانب الآخر، ولكن لم يتبق لهم أي خيار".
ووصف الوضع في سوريا التي زارها أيضا بأنه "مروع"، مضيفا أن عبور نحو 260 ألف شخص من لبنان إلى سوريا هو "أزمة داخل أزمة". وأفاد بأن البرنامج بالتعاون مع شركاء آخرين تمكن من الوصول إلى 100 ألف شخص هناك، لكنه أكد أنهم بحاجة إلى إعادة ترتيب الأمور لاسيما أن الناس ينتقلون بسرعة إلى داخل البلاد حيث توجد عائلات تكافح بالفعل لتغطية نفقاتها.
وأضاف: "نحن بحاجة ماسة إلى أن نكون قادرين على تكثيف الجهود ودعم ليس فقط أولئك الذين يصلون بلا شيء، بل وأيضا تلك الأسر التي تستقبل هؤلاء الأشخاص ولم يكن لديها أي شيء في البداية".