أفريقيا: مساهمتها في الانبعاثات ضئيلة لكن آثار تغير المناخ عليها شديدة- فهل سينجح مجلس الأمن في إيجاد حل؟

من الا{شيف: يعاني شمال بوركينا فاسو، من موجة عنف أدت إلى نزوح السكان الأشد ضعفا.
OCHA/Otto Bakano
من الا{شيف: يعاني شمال بوركينا فاسو، من موجة عنف أدت إلى نزوح السكان الأشد ضعفا.

أفريقيا: مساهمتها في الانبعاثات ضئيلة لكن آثار تغير المناخ عليها شديدة- فهل سينجح مجلس الأمن في إيجاد حل؟

السلم والأمن

بحث مجلس الأمن الدولي اليوم الأربعاء موضوع "المناخ والأمن في أفريقيا" ضمن أجندة "الأخطار التي تهدد السلام والأمن الدوليين" – حيث أشارت غابون (رئيسة مجلس الأمن لهذا الشهر) في مذكرة مفاهيم وزّعتها إلى أنه بينما تمثل أفريقيا حوالي 4 في المائة فقط من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، فهي من بين المناطق الأكثر عرضة للآثار الضارة لتغير المناخ.

وبحسب المذكرة، أثّر تغير المناخ سلبا على أنماط الهجرة، وعطّل سبل العيش وساهم في ندرة الموارد في أفريقيا. وتُعدّ ندرة الموارد والتحديات التي تواجهها أفريقيا عوامل "من المحتمل أن تؤدي إلى توترات اجتماعية، وحتى صراعات عنيفة، بين السكان على المستوى المحلي أو عبر الوطني، على سبيل المثال، بين المزارعين والرعاة."

وهذه المناقشة هي الأولى من نوعها في اجتماع رسمي لمجلس الأمن بشأن تغيّر المناخ والأمن في عام 2022، في حين شهد عام 2021 ثلاثة اجتماعات تتعلق بالمناخ، وهي من الفعاليات المميزة لرئاسة دولة غابون.

وفي آذار/مارس، عقدت دولة الإمارات العربية المتحدة اجتماعا على المستوى الوزاري بصيغة آريا بشأن تمويل المناخ كوسيلة لبناء السلام والحفاظ عليه في حالات الصراع وما بعد الصراع والأزمات.

كما يُعقد اجتماع اليوم قبل أقل من شهر من انطلاق مؤتمر الأطراف (COP27) في شرم الشيخ بمصر من 6 إلى 18 تشرين الثاني/نوفمبر.

مجلس الأمن الدولي.
UN Photo/Rick Bajornas

تغيّر المناخ يخلق مخاطر جديدة

في إحاطتها أمام مجلس الأمن، قالت مارثا أما أكيا بوبي، مساعدة الأمين العام لشؤون أفريقيا، إنه على الرغم من عدم وجود صلة مباشرة بين تغيّر المناخ والصراعات، يفاقم تغيّر المناخ المخاطر القائمة ويخلق مخاطر جديدة. 

وقالت: "تقع أفريقيا على الخطوط الأمامية من الأزمة المتفاقمة؛ من داكار إلى جيبوتي – التصحر وتدهور الأراضي يدفعان التنافس على الموارد ويقوّضان سبل العيش والأمن الغذائي للملايين."

وفي القرن الأفريقي، يدفع الجفاف العائلات إلى الهجرة بعيدا عن ديارهم، وفي منطقة الساحل يزداد التنافس على الموارد، ويستغل المتطرفون العنيفون هذه الأحداث من أجل غاياتهم الخاصة.

وتابعت تقول: "لدعم القارّة الأفريقية في التصدي لآثار تغيّر المناخ على السلم والأمن، يجب علينا أن نتحرك على أصعدة متعددة. ولا يمكننا تحمّل استمرار العمل كالمعتاد."

وأشارت إلى الحاجة إلى عمل مناخي طموح وتسريع تنفيذ اتـفاق باريس.

وأكدت أنه لا يمكن تحقيق سلام دائم دون تلبية الأهداف المناخية، واصفة مؤتمر الأطراف في شرم الشيخ بأنه "ملك لأفريقيا ويركز على أفريقيا" وأعربت عن أملها في أن يخرج بالتزامات ذات مغزى من الدول التي تشكل أكبر مصدر للانبعاثات.

مارثا آما أكيا بوبي، مساعدة الأمين العام لأفريقيا، تقدم إحاطة إعلامية لمجلس الأمن بشأن التهديدات التي يتعرض لها السلام والأمن الدوليان.
UN Photo/Manuel Elías

ثلاث أولويات للعمل

سلطت المسؤولة الأممية الضوء على ثلاث أولويات للعمل المناخي، أولها الحاجة إلى زيادة قدرتنا على تحليل المخاطر ودمج منظور المناخ في جهودنا في صنع السلام وبناء السلام.

"هذا يتطلب معطيات أكثر وأفضل" لفهم أفضل لتوقعات المناخ واتجاهاته بهدف تعزيز القدرة على التحليل والإنذار المبكر.

استجابتنا اليوم لا تتناسب مع حجم التحدي الذي نواجهه، دعونا نتحرك على نحو أسرع -- مارثا أما أكيا بوبي

ثانيا، يجب لجهودنا في تحقيق السلام والأمن أن تضع الناس في المركز. "نحتاج إلى التعلم من أولئك الذين يعانون بشكل يومي من تداعيات تغير المناخ والاستفادة من خبراتهم لتطوير استراتيجيات فعّالة للتخفيف من آثار تغيّر المناخ والتكيّف معها."

وتحدثت عن النساء بوصفهن معرضات لمخاطر آثار تغير المناخ على وجه الخصوص، ولكنهن في نفس الوقت عوامل مهمة في التغيير. "غالبا ما يتمتعن بمعرفة فريدة يمكن أن تساعد في التخفيف من التوترات وتعزيز التماسك الاجتماعي."

كما لفتت الانتباه أيضا إلى دور الشباب "المهم" في القيادة المبتكرة للمناخ وبناء السلام.

"إن الإجراءات التي نتخذها اليوم للتطرق إلى الرابط بين تغير المناخ من جهة والسلام والأمن من جهة أخرى سيحدد مستقبلهم."

ثالثا، يجب اغتنام الفرص للعمل المناخي وبناء السلام لتعزيز بعضها البعض. وأوضحت أن بناء السلام والعمل المناخي يشتركان بالعديد من الأهداف المشتركة: "على وجه الخصوص الصمود والعدالة والشمولية في المجتمعات."

وأكدت أن مكتب الأمم المتحدة في غرب أفريقيا والساحل يعمل على توسيع قدراته لتقديم النصائح للشركاء بشأن استراتيجيات التخفيف والتكيّف.

كما أن صندوق بناء السلام يزيد من اعتماد منظور مناخي. منذ عام 2017، استثمر الصندوق ما يزيد عن 85 مليون دولار في أكثر من 40 مشروعا مراعيا للمناخ.

أهمية الشراكات

أكدت السيدة مارثا أن الأمم المتحدة ملتزمة بتوسيع الشراكات القائمة وتشكيل شراكات جديدة. "لقد أنشانا ضمن منظومتنا الخاصة آلية أمن المناخ، وهي مبادرة مشتركة بين دائرة الشؤون السياسية وبناء السلام وإدارة عمليات السلام وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لمعالجة مخاطر المناخ والسلام والأمن بشكل أكثر منهجية."

وشددت في ختام كلمتها على أهمية قيادة أفريقيا، وقالت: "إن استجابتنا اليوم لا تتناسب مع حجم التحدي الذي نواجهه، دعونا نتحرك على نحو أسرع."

ازدياد عدد الجوعى بسبب تغيّر المناخ

من جانبه، قال تانغي قاهوما-بيكالي، الأمين العام الدائم للمجلس الوطني للمناخ في غابون والرئيس السابق لمجموعة المفاوضين الأفارقة بشأن تغير المناخ، إن تغير المناخ من أهم المخاطر التي يتعرض لها السلام والأمن في القرن الحادي والعشرين.

وأشار إلى وضوح العلم والحقائق بهذا الشأن: "إن الوتيرة التي يتسارع فيها تغير المناخ كبيرة للغاية وتمثل تحديا حقيقيا." 

وأضاف أنه علاوة على ذلك، فإنه يمثل تهديدا أمام صون السلم والأمن الدوليين، وخاصة بالنسبة لـ 54 دولة أفريقية - هي من بين الأكثر عرضة لأزمة تغيّر المناخ وأزمة السلام والأمن. 

وقال إنه بحسب عمل معهد الدراسات الأمنية المنشور عام 2021، فإن 80 في المائة من عمليات السلام الحالية التي تقودها الأمم المتحدة منتشرة في البلدان المصنّفة على أنها الأكثر عرضة لتغيّر المناخ. "يتم نشر جميع البعثات الأفريقية الأكبر حجما في مناطق حساسة لتغيّر المناخ، بما في ذلك جنوب السودان ومالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال."

وحذر من ازدياد أعداد الأشخاص الذين يعانون من الجوع بنسبة 10-20 في المائة بحلول عام 2050 بسبب تغير المناخ. 

وقال: "بدون إجراءات مناخية طموحة، من المرجح أن يقع ما يصل إلى 100 مليون شخص في براثن الفقر المدقع بحلول عام 2030."

آثار تغيّر المناخ لا تحترم الحدود

© UNICEF/Paul Kidero
في 16 حزيران/يونيو 2022، قامت فتاة بتشغيل المضخة اليدوية بالقرب من السد الرملي في كانيانجابوس، مقاطعة توركانا، كينيا

كما حذر من تأثير ارتفاع درجة الحرارة العالمية والجفاف وارتفاع مستويات سطح البحر وزيادة تواتر العواصف وشدتها على حياة الناس وسبل عيشهم في جميع أنحاء العالم، وخاصة في مناطق النزاع، مشيرا إلى أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تفاقم العوامل الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية لانعدام الأمن، مما يترك السكان الضعفاء على خط المواجهة في الأزمات المتعددة والمتقاطعة.

ودعا إلى إقامة "شراكة قوية" بين مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في سياق العلاقة بين المناخ والسلام والأمن.

"نحن بحاجة إلى زيادة توطيد تعاوننا في مجالات الإنذار المبكر وحفظ السلام وبناء السلام وتغير المناخ والحكم الرشيد وتعزيز وحماية حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وسيادة القانون."

وأكد أن آثار تغير المناخ لا تحترم أي حدود. "فهي تخاطر بعرقلة آفاق التنمية وتفاقم المشهد الأمني الهش في أفريقيا، على الرغم من مساهمة القارّة الضئيلة في أزمة المناخ."

إلى جانب تغيّر المناخ، معاناة مع النزاع

أشار باتريك يوسف، المدير الإقليمي لأفريقيا لدى اللجنة الدولية للصيب الأحمر، إلى أن غالبية البلدان التي تعتبر الأكثر ضعفا والأقل جهوزية للتكيّف مع تغيّر المناخ تعاني أيضا من نزاع مسلح.

باتريك يوسف، المدير الإقليمي لأفريقيا للجنة الدولية للصليب الأحمر، يتحدث إلى مجلس الأمن.
UN Photo/Manuel Elías

وقال في إحاطته أمام مجلس الأمن: "تؤثر هذه الصدمات المتقاربة بشكل كبير على حياة الناس وكذلك على المؤسسات والتماسك الاجتماعي، وتطيل أمد التوترات القائمة وتديم الهشاشة."

وأشار إلى تأثر العمل الإنساني في مناطق النزاع بسبب تغيّر المناخ، "مما يستدعي اتخاذ خطوات لضمان الاستجابات الوقائية وطويلة المدى."

وقدّم ثلاثة اقتراحات يمكن أن تساعد في ضمان التكامل والأثر المستدام:

  • أولا، للتصدي للمخاطر المناخية المتزايدة بشكل مناسب في حالات النزاع، نحتاج إلى تصميم استجابات محددة للسياق تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات والخصائص الفردية للأفراد. لا يوجد مقاس واحد يناسب الجميع.
  • ثانيا، يجب علينا تبادل المعرفة ومواءمة الخبرات – يمكن لمجلس الأمن ضمان ذلك من خلال مناقشات أكثر انتظاما ومنهجية، بما في ذلك المنظمات الإقليمية ودون الإقليمية. يمكن للمنظمات الإنسانية أيضا مساعدة الجهات الفاعلة الأخرى على إضفاء منظور حساس للنزاع على عملها ومعالجة بعض المخاطر التي تحدّ من نشاطها.
  • ثالثا، يمكن لزيادة احترام القانون الدولي الإنساني الذي يحمي البيئة الطبيعية أن يحد من تدهورها، وبالتالي يقلل من الضرر والمخاطر التي تتعرض لها المجتمعات المتأثرة بالنزاع، بما في ذلك بسبب تغير المناخ.

وحذر من أنه بدون دعم حاسم من المجتمع الدولي، فإن ما يحدث الآن في العديد من الأماكن في أفريقيا سيزداد سوءا، وستتضاعف نقاط الضعف القائمة حاليا.

مشاركة بارزة من غابون في موضوع تغيّر المناخ

ميخائيل موسى أدامو، وزير الشؤون الخارجية في الغابون يترأس جلسة مجلس الأمن حول تهديدات السلم والأمن
UN Photo/Manuel Elías

تعتبر غابون مؤيدة ثابتة لمشاركة مجلس الأمن بشأن تغيّر المناخ والأمن. وقد استضافت حدثا بعنوان "أسبوع المناخ في أفريقيا 2022" في ليبرفيل بين 29 آب/أغسطس و2 أيلول/سبتمبر.

وقد ترأس اجتماع مجلس الأمن اليوم وزير خارجية غابون، ميخائيل موسى-أدامو. وقال إن عام 2022 شهد موجات من الجفاف والفيضانات والأعاصير والحرائق الكارثية والتي يُعتقد أنها أصبحت أكثر حدّة بسبب تغيّر المناخ.

وحذر من أن 22 مليون شخص مهددون حاليا بالمجاعة في القرن الأفريقي.

وأكد أن غابات حوض الكونغو تخزّن ما يقرب من 10 سنوات من انبعاثات الكربون العالمية في نباتاتها وتربتها. وقال: "إذا لم نحافظ على وجود غابات حوض الكونغو، فسنخسر المعركة لإبقاء حد الـ 1.5 درجة أو درجتين مئويتين حيّا – ونحن نتجه نحو عالم أكثر دفئا بـ 3 أو 4 درجات مئوية، مما يعني رفع درجات الحرارة بـ 10 درجات مئوية في القارة الأفريقية."

وحذر من أنه إذا حدث ذلك، "فسيتم احتساب لاجئي المناخ في جميع أنحاء القارة بالمئات الملايين وليس بعشرات الملايين، وسيتم زعزعة القارّة الأفريقية بأكملها."

ولا تبحث غابون عن حلول آنية في مجلس الأمن، غالبا لأن الديناميكيات صعبة بشأن هذه المسألة، فقد حالت دون الاتفاق على إدراج إشارات إلى تغيّر المناخ في بعض مخرجات المجلس.

وانعكست هذه الديناميكيات في كانون الأول/ديسمبر 2021، عندما استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار أيرلندي-نيجيري سعى إلى دمج قضايا تغيّر المناخ والأمن بشكل أكثر منهجية في عمل المجلس. كما صوتت الهند ضد مشروع القرار، بينما امتنعت الصين عن التصويت.