بين التحديات والتطلّعات، الأمم المتحدة تسلط الضوء على الواقع المرير للشباب الفلسطيني في مدينة القدس المحتلة

20 تموز/يوليه 2022

سلط مؤتمر رفيع المستوى حول قضية القدس بعنوان "الشباب الفلسطيني في القدس الشرقية المحتلة" الضوء على الواقع الذي يعيشه الشباب الفلسطيني في القدس الشرقية تحت الاحتلال الإسرائيلي، والتحديات اليومية التي تواجهه؛ غير أنه أبرز في الوقت ذاته دور الشباب الفلسطيني في الحفاظ على الوضع النهائي للقدس.

ويهدف الحدث الافتراضي الذي نظمته اليوم الأربعاء لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف إلى رفع مستوى الوعي لدى الجماهير الدولية – الدول الأعضاء والمجتمع المدني ووسائل الإعلام – "وتسليط الضوء على تقييد إسرائيل لحقوق الشعب الفلسطيني وقدرته على الازدهار في المدينة" بحسب منظمي المؤتمر.

ويبرِز الحدث دور الشباب الفلسطيني بصفتهم عوامل للتغيير، وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يعزز مبادرات السلام التي يقودها الشباب في القدس الشرقية وبالتالي المساهمة في إعمال حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

الشباب قلِق

افتتح رئيس اللجنة، سفير السنغال لدى الأمم المتحدة، شيخ نيانغ، الفعالية مشيرا إلى أن أهمية المؤتمر كبيرة بالنسبة لحاضر ومستقبل المجتمع الفلسطيني ولتحقيق حل الدولتين.

وقال: "على مدار عدة أعوام، أكدت الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي والأمين العام، مرارا على أن أي إجراءات تتخذها إسرائيل – السلطة القائمة بالاحتلال – لفرض قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها في مدينة القدس المقدسة غير قانونية."

وأشار إلى أن لجنة فلسطين أعربت مرارا عن أن القدس الشرقية معترف بها كجزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967.

وأضاف يقول: "تعتبر اللجنة أن حلا تفاوضيا على وضع القدس، يأخذ بعين الاعتبار الشواغل السياسية والدينية لجميع الأطراف، هو شرط أساسي للتوصل إلى حل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني والسلام الدائم في المنطقة بأسرها."

وأقرّ شيخ نيانغ بأن العديد من الشباب الفلسطيني قلق من عدم وجود حل سياسي، ويشعر بالغصّة من نقص الفرص الاقتصادية واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان. "وفي الوقت نفسه، فإن جيل أوسلو يظهر رغبة شديدة للانخراط اجتماعيا وسياسيا، وليصبح عامل تغيير في فلسطين وعلى الصعيد العالمي."

البلدة القديمة في مدينة القدس الشرقية.
Shirin Yaseen/UN news
البلدة القديمة في مدينة القدس الشرقية.

رئيس الجمعية العامة: الشباب جزء من الحل

في رسالة فيديو، قال رئيس الجمعية العامة، عبد الله شاهد، إن هذه المناقشة قريبة من قلبه لعدة أسباب، أحدها حقيقة أن الشرق الأوسط، وعلى وجه التحديد الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، كان عنصرا محوريا في جدول أعمال الأمم المتحدة منذ نشأتها.

على الرغم من طول المدة التي أمضاها العالم والأمم المتحدة في هذه القضية، فمن المؤسف أنه تم إحراز القليل من التقدم الملموس -- عبد الله شاهد

وقال: "على الرغم من طول المدة التي أمضاها العالم والأمم المتحدة في هذه القضية، فمن المؤسف أنه تم إحراز القليل من التقدم الملموس، ويبدو أن الوضع يتدهور مع مرور الوقت – مما يتيح تغلغل الصراع في عقول وحياة الأجيال الجديدة."

وأشار إلى انتشار المستوطنات غير القانونية على الأرض الفلسطينية وهو ما "يبعدِنا عن السلام والمصالحة."

وجدد تأكيده على أن السبيل الوحيد للمضي قدما يكمن في إجراء مفاوضات بنّاءة بين الأطراف المعنية، ولا سيّما ضمان مشاركة الشباب في عملية السلام.

"يجب أن يكون الشباب جزءا من الحل: لا يحتاج (الشباب) فقط إلى الحصول على مقعد على الطاولة، ولكن يجب أن يكون في المحور بينما نتطلع إلى المستقبل – مستقبله."

منظمة التعاون الإسلامي تدعو إلى محاسبة إسرائيل

مع التشديد على أن مدينة القدس المحتلة هي جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، حثت منظمة التعاون الإسلامي المجتمع الدولي على "التراجع والامتناع عن أي موقف وإجراء يساهم في خطط تضفي الشرعية على السلطة القائمة بالاحتلال وتهدف إلى تغيير الوضع الجغرافي والديمقراطي والقانوني لمدينة القدس المحتلة"، بحسب ما قاله الدبلوماسي التونسي، السفير علي غوتالي، مدير دائرة شؤون فلسطين والقدس في منظمة التعاون الإسلامي.

وأضاف أن منظمة التعاون الإسلامي تدعو مجددا المجتمع الدولي إلى أن يتمسك بمسؤولياته فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وأن يتحرك على نحو سريع لوقف "الاستعمار غير الشرعي" الذي تقوم به إسرائيل وسياسات "التطهير العرقي."

وتابع يقول: "ترغب منظمة التعاون الإسلامي التأكيد مجددا على أن غياب وجود تدابير دولية رادعة بشكل فعّال، لم تفعل سوى تشجيع إسرائيل – السلطة القائمة بالاحتلال – على الاستمرار بانتهاكاتها بدون عقاب."

وفي هذا الصدد، دعا المجتمع الدولي إلى تفعيل الآليات القانونية وضمان مساءلة إسرائيل وتحميلها المسؤولية، وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني ووقف الاحتلال الإسرائيلي وسياسات الفصل العنصري على حدّ تعبيره.

رياض منصور: أي تغيير لطابع المدينة مرفوض

من جانبه، اعتبر السفير رياض منصور، مراقب فلسطين الدائم لدى الأمم المتحدة، أن عقد مثل هذه الفعالية مهم في هذا الوقت مع ارتفاع مستوى "السلوك العدواني" لإسرائيل فيما يتعلق بمحاولتها تغيير الطابع الديمغرافي والجغرافي لمدينة القدس، وفي محاولتها لإنكار الطابع الإسلامي والمسيحي والعربي للمدينة، بما يتنافى مع الواقع.

وشدد على القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، بما فيها القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وخاصة قرار مجلس الأمن 2334، الذي ينص بشكل واضح على أن المجتمع الدولي لا يعترف بأي حدود غير حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك.

وتابع يقول: "القدس الشرقية محتلة، وأي تغيير، جغرافي أو ديمغرافي، لمدينة القدس – أو تغييرات قانونية – أمر لاغ وباطل، وليس له أي صلاحية قانونية من وجهة نظر القانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة، بما في ذلك مجلس الأمن."

وأشار إلى أن أهالي القدس، وخاصة الشباب، يعيشون في واقع مدارس مكتظة وبيئة تعليم صعبة ومشاكل مع هدم المنازل وطرد السكان من الأحياء مثل الشيخ جراح وسلوان، ومحاولة تغيير طابع البلدة القديمة في القدس وتحويلها إلى مدينة يهودية وليست مدينة سلام تشمل الجميع.

واقع مرير للشباب في القدس

ركزت حلقة النقاش التي تبعت الجلسة الافتتاحية على التحديات والتطلعات للشباب. ومن بين المتحدثين فيها، نيفين صندوقة، من منظمة حقوقنا، التي سلطت الضوء على تجربتها في المدينة، مسلطة الضوء على قصة نجلها البالغ من العمر 12 عاما، وما تعنيه حياة صبي يعيش تحت نير الاحتلال.

وقالت إن ابنها الذي لديه شغف بممارسة هواية كرة القدم، أراد الالتحاق بأحد النوادي في القدس. إلا أنه صُدم بعوائق الاحتلال.

يُحرم الأطفال من هذا الحق البسيط في اللعب بأمان -- نيفين صندوقة

"اصطحبت ابني إلى مباراة في القدس، وبعد عدة دقائق تلقيت اتصالا من مدرّبه – وكأمه ذُعرت لأنني لا أعرف ما الذي يحدث – وقال إن ابنكِ بخير لكنّ الشرطة (الإسرائيلية) داهمت المكان الذي تجري فيه المباراة التابع لمنظمة مجتمع مدني ومنعت الأطفال من المشاركة في المباراة."

وأشارت إلى أنه تبيّن أن السبب في إلغاء المباراة هو مخاوف إسرائيلية من أنها تُجرى بدعم من السلطة الفلسطينية.

وقالت: "يُحرم الأطفال من هذا الحق البسيط في اللعب بأمان."

وتحدثت عن أن نسبة التسرب من المدرسة في مدارس القدس عالية وتصل إلى 35 في المائة، مشيرة إلى أن الحكومة الإسرائيلية مسؤولة عن تعليم الشعب الذي يخضع تحت سلطتها: "عدد المدارس التي تبنيها لنا منخفض جدا، لذا هناك عدد محدود من الفصول المدرسية للأطفال الفلسطينيين."

وأوضحت أن العديد من الأسر الفلسطينية لا تستطيع تحمّل نفقات مدارس خاصة في القدس، ويذهب الأطفال للعمل لقاء أجور بخسة في الجزء الغربي من القدس وإسرائيل بشكل عام.

الهوية الفلسطينية والصمود في القدس الشرقية

تحدث الناشط علي غيث، مستشار الإعلام والاتصال والمناصرة الفلسطيني، عن "الهوية الفلسطينية والصمود في القدس الشرقية" وقال إن الفلسطينيين في القدس الشرقية اختاروا أن يطلق عليهم تسمية فلسطينيين، واختاروا الحفاظ على تراثهم، ولهم الحق في التعبير عن ثقافتهم على النحو المنصوص عليه في الاتفاقيات الدولية.

الناشط الفلسطيني علي غيث
UN Photo

لكنه أضاف قائلا: "مع ذلك، فإن أبسط شكل من أشكال التعبير عن الهوية، وهو التلويح بعلم يمثلهم، يتم إنكاره داخل حدود المدينة المحتلة وأماكن أخرى في إسرائيل."

وتحدث عن حياة الفلسطيني المقدسي الذي يولد في مدينة القدس ويُعطى "هوية إسرائيلية" وليس جنسية، ويمكن له الحصول على جنسية أردنية مؤقتة تتيح له القدرة على السفر، ولكن ليس من خلال المطارات الإسرائيلية حيث ينبغي الحصول على ما يُسمّى "بوثيقة سفر" في تلك الحالة.

وقال: "إذا لم يثبت المرء أن القدس هي مركز حياته، بمعنى أنه يعيش في القدس ويعمل في إسرائيل، فقد يعرّض مكانته للخطر ويمكن للسلطات الإسرائيلية سحب هويته."

وفقا له، فإن حصول الفلسطيني على عمل يتعيّن عليه تعلّم اللغة العبرية وإذا توفرت فرص العمل فتكون في أغلب الأحيان في قطاعات الخدمات مثل العمل في الفنادق والمطاعم والأسواق، وفي قطاع البناء والتنظيف.

وتابع يقول: "إذا حصل هذا الفلسطيني على فرصة عمل في مجال التنظيف مثلا براتب ثابت فذلك يمكنّه من استئجار شقة دون المستوى في المدينة للحفاظ على هويته الإسرائيلية. وإذا كانت لديه قطعة أرض، فإن إصدار تصاريح للبناء يكاد يكون مستحيلا."

بحسب علي غيث، فإن السكان المقدسيين يحصلون على تأمين صحي وتأمين شيخوخة وتأمين إذا فقدوا العمل، لكن هذه الأسباب ليست هي ما تدفع السكان للبقاء في المدينة، "يختارون البقاء لأن القدس هي مدينتهم."

تمكين الشباب لتعزيز التغيير: الخبرات

ركّزت داليا حاتوقة، صحفية متخصصة في الشؤون الإسرائيلية/الفلسطينية، على حق الفلسطينيين في القدس في الانتخاب. وقالت: "المرة الأخيرة التي جرت فيها انتخابات تشريعية فلسطينية كانت في عام 2006، وقد عرقلت إسرائيل بشدة التصويت في القدس."

وفي كانون الثاني/يناير من العام الماضي، دعا الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في – لكنّه أرجأها في 29 نيسان/أبريل.

وقالت: "إن تأجيل الانتخابات كان خطأ ساهم في تنامي خيبة أمل الفلسطينيين.. وبالنسبة للشباب على وجه الخصوص، كانت الانتخابات تتيح فرصة نادرة، فالعديد منهم ولد بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو في عام 1993 ولم يقترع في حياته."

وتحدثت حاتوقة عن ظروف الحياة في القدس، حيث يرتفع الفقر والجريمة بشكل كبير، لكنها أكدت على أن الفلسطينيين يواصلون التصدي للجهود الإسرائيلية الرامية إلى نزع الشرعية عنهم في المدينة.

وقالت: "يعرف الشباب الفلسطيني أنه يمتلك القوة والوكالة ومفاتيح المستقبل – حتى تحت نير الاحتلال أو القصف."

الحراك الإسرائيلي ضعيف

قالت شارون أرت، المدافعة عن حقوق الإنسان، إنه طُلب منها أن تتحدث بصفتها ناشطة إسرائيلية، لكنّها شددت على أنها لا تريد تحسين صورة الأبرتهايد الإسرائيلي عبر التحدث كناشطة إسرائيلية وكأن هناك "حركة حقوق إنسان قوية في إسرائيل يمكن التعويل عليها في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في القدس الشرقية وعموم فلسطين – لأن هذه الحركة غير موجودة."

وقالت إن معظم الإسرائيليين يدعمون الأبرتهايد الإسرائيلي، ومعظم الإسرائيليين غير معنيّين بالحديث عن إنصاف الفلسطينيين أو حقهم في تقرير المصير: "لا أريد أن يكون تمثيلي هنا ومناقشتي حول عمل التضامن الذي يقوم به بعض الإسرائيليين والأجانب في القدس وفي عموم فلسطين مضللا للمتابعين هنا بأن هناك حركة إسرائيلية كبيرة – لأنها غير موجودة على الإطلاق."

وقدّمت شارون أرت عرضا لبعض العمل الذي يقوم به النشطاء، وأشارت إلى زيارتها إلى منطقة مسافر يطّا جنوب الخليل (حيث تتعرض بعض المجتمعات الفلسطينية لخطر التهجير) – وقالت: "سياسة التهجير والاستعمار تحدث في عموم فلسطين وليس فقط في القدس."

كما عرضت صورة من حيّ وادي الحمّص في صور باهر في القدس لواحدة من أكبر عمليات الهدم التي حدثت لمبنى سكني في وادي الحمّص.

منزل في وادي الحمص في صور باهر بمدينة القدس يتعرض للهدم.
UN Photo

وأوضحت أنه بسبب ضعف الحراك الإسرائيلي لا يمكن منع أي من "جرائم الحرب" التي تحدث، بسبب صغر حجم الأنشطة.

وقالت: "أتذكر المشهد، في الساعة الثالثة صباحا عندما سمعنا صوت المروحيات ترافقت مع مداهمة العشرات من عناصر الشرطة العسكرية المدججة بالسلاح للحي، وقد قسّمنا أنفسنا بين المنازل الفلسطينية المختلفة التي تتعرض لخطر الهدم، وأتذكر مدى صغر حجمنا مقارنة بالوجود الشرطي الإسرائيلي الكبير الذي حضر لتنفيذ الهدم، وقد تم إخراجنا بدقائق وجلسنا وشاهدنا كيف تم تفجير هذا المبنى."

وقالت لمن يعتقد أن الأوضاع ستتغير: "لن يستيقظ الإسرائيليون – ليس من دون محاسبتهم من قبل المنظمات الدولية والمجتمع الدولي."

نافذة لإسماع صوت الشباب

في إحاطته، أشار ممثل العراق الدائم لدى الأمم المتحدة، محمد حسين بحر العلوم، إلى أن العراق يؤكد على الموقف الثابت لشعب العراق وشبابه الداعم للشباب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة بالكامل مع القدس كعاصمة لها، ورفض جميع أشكال الاستيطان والهدم التي تهدد الوضع القانوني للقدس، وتركيبتها الديمغرافية.

وشدد على أهمية عقد مثل هذه الفعالية لأنها بمثابة "نافذة" لإسماع أصوات الشباب، وفرصة لتعزيز دور الشباب الفلسطيني لإيجاد حل للقضية الفلسطينية في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وأشار إلى أن انخراط الشباب الفلسطيني عبر منصة الأمم المتحدة في مجالات الهوية والمجتمع والمشاركة السياسية وبناء دولة فلسطينية تلقي بظلال إيجابية على القضية الفلسطينية لأنها تثبت لكل العالم حق الشباب في الحياة في سلام وأمن في دولته الفلسطينية والتوصل إلى حل سلمي للنزاع ووضع نهاية للاحتلال.

وقال: "لا ينبغي تجاهل جميع مطالب الشباب وينبغي أن ندعم أنشطته."

♦ تحميل تطبيق أخبار الأمم المتحدة بالعربية من متجر آبل لأجهزة الأيفون والآيباد IOS أو من متجر غوغل لأجهزة أندرويد Android .  

♦  الاشتراك في إشعارات البريد الإلكتروني.