مسألة حياة أو موت: في مؤتمر الأطراف COP26 البلدان المتأثرة تطلب من الدول المتقدمة الالتزام بالوعود بشأن تمويل المناخ

8 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

الفيضانات الهائلة، حرائق الغابات المدمرة، وارتفاع منسوب مياه البحار – جنبا إلى جنب مع عدد لا يحصى من الأرواح التي تُحصد وسبل العيش التي تنقلب عن بكرة أبيها – كلها حقائق تواجهها العديد من الدول بالفعل. وقد احتلت أصوات من الخطوط الأمامية لتغير المناخ وآثاره مركز الصدارة مع دخول مؤتمر الأطراف COP26 المنعقد في غلاسكو أسبوعه الثاني، والتركيز اليوم كان على "التكيف والخسارة والأضرار."

وكانت الدعوة الرئيسية اليوم هي أن تفي البلدان المتقدمة بوعدها بالتمويل والدعم للدول الصغيرة المعرّضة لخطر خسارة الكثير في مكافحة تغيّر المناخ.

"من المحيط خرجت الحياة والسلام والراحة، عالم لا يعرفه الكثيرون ولكنه عالم يقف إلى جانب شعبي.. سوف نتذكر وقتا كانت فيه منازلنا أبية وشامخة، إذ إنها اليوم لم تعد قائمة. فقد ابتلعتها المحيطات."

بدأ اليوم الثامن لمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ بقصيدة ألقتها ناشطة من بابوا غينيا الجديدة، وهي دولة جزرية تقع في جنوب غرب المحيط الهادئ. وتردد صدى كلماتها في جميع أنحاء قاعة الاجتماعات في المنطقة الزرقاء، بينما بدت الدموع تنهمر على وجنتيها.

وقالت متوجهة إلى قادة العالم المجتمعين في غلاسكو: "لن نعرف أبدا متى يرتفع المد ويبتلع منازلنا. سيجرف المحيط ثقافتنا ولغاتنا وتقاليدنا. عندما تقولون إنه بحلول عام 2030 إلى عام 2050 ( ستخفضون انبعاثات الكربون)، كيف يمكنكم تحديد مواعيد نهائية  بعد 9 إلى 29 عاما في الوقت الذي أثبت شعبي بالفعل أنه يجب عليه التصرف الآن وعدم إضاعة المزيد من الوقت،" وأوضحت أن المحيط الذي منح شعبها الحياة ذات يوم أصبح الآن "الجلاّد."

لم تكن وحدها. فعلى بُعد أمتار قليلة في قاعة أخرى، شابة أخرى وناجية من إعصار هايان الذي ضرب الفلبين تحديدا في مثل هذا اليوم قبل ثماني سنوات، وقالت في رسالة مؤثرة للعالم: "لقد توقفوا عن العد عندما وصل عدد الوفيات إلى ستة آلاف، ولكن لا تزال هناك 1,600 جثة مفقودة. اليوم لا نزال نصرخ من أجل العدالة لأصدقائنا وعائلاتنا الذين فقدوا حياتهم بسبب الكوارث المناخية. يناضل شباب الفلبين من أجل مستقبل خالٍ من القلق والخوف من يأتي هايان آخر في أي وقت ليهدد حياة أحبائنا وأحلامهم. نحن لا نستحق العيش في خوف."

بالنسبة لها، يجب أن يكون COP26 فرصة لمناصرة "أجندة الخسارة والضرر."

وقالت: "اليوم، وبالضبط منذ ثماني سنوات، منذ أن غيّر هايان حياة الفلبينيين بشكل جذري، تزداد آثار تغير المناخ سوءا. لا يجب أن ينتظروا لتحقيق العدالة." ودعت إلى تحميل المسؤولية للشركات وغيرها من الجهات المسببة لانبعاثات الكربون.

المعركة من أجل "الخسارة والضرر"

يُستخدم مصطلح "الخسارة والضرر" ضمن عملية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ للإشارة إلى الأضرار التي يسببها تغير المناخ بسبب الأنشطة البشرية.

مع ذلك، فقد كان الرد المناسب على هذه المسألة موضع خلاف منذ اعتماد الاتفاقية. وكان تحديد المسؤولية والتعويض عن الخسائر والأضرار هدفا طويل الأمد للبلدان الضعيفة والنامية في تحالف الدول الجزرية الصغيرة ومجموعة أقل البلدان نموا في المفاوضات.

مع ذلك، فقد قاومت الدول المتقدمة لسنوات الدعوات لإجراء مناقشة مناسبة لهذه القضية.

وفي مؤتمر صحفي، قال أحد ممثلي المنظمات غير الحكومية المعنية بالمناخ: "بعد ست سنوات من اتـفاق باريس، الذي تتضمن مادته الخاصة بشأن الخسائر والأضرار، لا يزال يتعين على البلدان الصغيرة الكفاح من أجل الحصول على بند في جدول الأعمال بشأن ]هذا الأمر[ في مؤتمر الأطراف."

ولذا، كان الموضوع الرئيسي الآخر لليوم: التكيف. ويتضمن أيضا مشكلة مالية. فقد أوضح قادة الدول النامية الجزرية الصغيرة أن التزامات الأسبوع الماضي بشأن الغابات والزراعة والتمويل الخاص ومسائل أخرى لا تزال غير كافية.

من جانبه، قال فرانك باينمراما، رئيس وزراء فيجي: "نرحب بالالتزامات الجديدة التي تم التعهد بها الأسبوع الماضي، ولكن مع الاحترام الواجب – كي أكون صادقا – لا يمكنني أن أشعر بأي حماسة تجاههم.. فالعديد من التعهدات الجديدة مفقودة، وظهرت تعهدات أخرى بالتزامات غير كافية، نجحت فقط في وضع مطبات السرعة على الطريق الذي يؤدي إلى التوجه إلى الجانب الخطأ من 1.5 درجة مئوية من الاحترار."

أرخبيل توفالو في جنوب المحيط الهادئ شديد التأثر بارتفاع مستوى سطح البحر الناجم عن تغير المناخ.
UNDP/Silke von Brockhausen
أرخبيل توفالو في جنوب المحيط الهادئ شديد التأثر بارتفاع مستوى سطح البحر الناجم عن تغير المناخ.

عدم الوفاء بالوعد

كان إعلان الأسبوع الماضي عن تأجيل تنفيذ الوعد بتقديم 100 مليار دولار سنويا لمبادرات تمويل المناخ في البلدان النامية مرة أخرى يوم الاثنين هو "الفيل الكبير في الغرفة" (أي أنها حقيقة واضحة يتم تجاهلها)، ولكن اعترف به العديد من القادة.

وقال رئيس وزراء فيجي: "الدول المتقدمة تخذلنا، فهي من يمتلك الموارد والتكنولوجيا لإحداث فرق، ومع ذلك فقد تركت إمكانات الطاقة النظيفة والتكيف خيارا غير مطروح على الطاولة عبر تفويت تعهد الـ 100 مليار دولار خلال عامين متتالين. يُطلب منا، نحن الأكثر ضعفا، أن نتجاهل وننتظر حتى عام 2023."

وذكّر رئيس الوزراء أنه منذ توقيع اتفاق باريس، ضرب فيجي 13 إعصارا، وعلى هذا النحو، يجب ألا يتأخر بناء القدرة على الصمود، ومن أجل ذلك يلزم توفير المال. فالأمر "واضح وبسيط" على حد تعبيره.

الدول المتقدمة تخذلنا، فهي من يمتلك الموارد والتكنولوجيا لإحداث فرق -- رئيس وزراء فيجي

وشدد قائلا: "أنا مستعد – إلى جانب كل مواطن من فيجي - للقيام بما هو ضروري لتأمين سلسلتنا الغذائية والتأكد من أنه يمكننا تنمية اقتصاد جزيرتنا. لدينا حلول ونحرص دائما على إظهار خبرتنا." وأضاف أنهم قدموا بالفعل إلى شعوب دولتي جزيرة كيريباس وتوفالو في حال كانت منازلهم هي أول ما يختفي.

كما قال وزير المناخ والبيئة في غرينادا، سيمون ستيل، إن الوعود التي قُطعت الأسبوع الماضي بحاجة إلى التدفق لكي تظهر أفعال ذات مغزى على الأرض.

وأضاف يقول: "تغير المناخ بالنسبة لنا في الجزر ليس شيئا مجرّدا. إنه حقيقي ونعيشه كل يوم، وإذا كان التخفيف عبارة عن ماراثون يقودنا إلى هدف 1.5 درجة مئوية، فالتكيّف هو العدو السريع ونحن نحارب الآثار، وثمّة حاجة ملحة لحماية الحياة وسبل العيش."

في غضون ذلك، قالت كاثي جيتنيل كيجينر، مبعوثة المناخ من جزر مارشال، إن العلم بدأ يكشف تدابير التكيّف التي ستكلف أكثر من 100 مليار دولار سنويا.

وقالت: "نحن نتطلع إلى عدة مليارات من الدولارات لتنفيذ خططنا الوطنية الخاصة بالتكيف. وقد تلقينا دراسات أولية تبيّن لنا تقديرات بعشرات المليارات لاستصلاح الأراضي ورفع أجزاء من أراضينا والهجرة الداخلية. عندما نتفاوض على هدف تمويل جديد بحلول عام 2025، يجب أن يستند إلى العلم. كان الهدف الأول تقديريا."

أوباما "طفل الجزيرة" يدعو إلى "التحرك الآن"

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما يخاطب مؤتمر المناخ COP26 في غلاسكو، ويشجع الوفود على الارتقاء إلى مستوى التحدي المتمثل في أزمة المناخ.
UNFCCC/Kiara Worth
الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما يخاطب مؤتمر المناخ COP26 في غلاسكو، ويشجع الوفود على الارتقاء إلى مستوى التحدي المتمثل في أزمة المناخ.

في مفاجأة لبعض الحاضرين في COP26، حضر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الاجتماع مع ممثلي الدول الجزرية.

ولأنه وُلد ونشأ في هاواي، أطلق على نفسه اسم "طفل الجزيرة" وقال إن العالم لا يفعل ما يكفي للجزر التي أصبحت مهددة أكثر من أي وقت مضى

"إذا كنتم تريدون التجديف في زورق، فمن الأفضل لكم التجديف في نفس الاتجاه في نفس الوقت -- باراك أوباما

وأضاف يقول: "هذا ليس شيئا سيحدث بعد 10 أو 20 أو 30 عاما قادما.. هذا يحدث الآن وعلينا أن نتحرك الآن."

ودعا الوفود إلى المضي قدما عبر توحيد القوى.

ونقلا عن قول مأثور من هاواي، قال السيد أوباما: "إذا كنتم تريدون التجديف في زورق، فمن الأفضل لكم التجديف في نفس الاتجاه في نفس الوقت. هذه هي الطريقة الوحيدة للمضي قدما. هذا هو نوع الروح التي تحتاجونها للمضي قدما."

وفي وقت لاحق من اليوم، ألقى السيد أوباما كلمة أمام الجلسة العامة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف. حيث التزم بالدفع من أجل العمل المناخي كمواطن عادي، وأوضح أن الحفاظ على درجات الحرارة دون 1.5 درجة مئوية "سيكون صعبا."

وقال: "لقد كان التعاون الدولي دائما صعبا، وأصبح الأمر أكثر صعوبة بسبب المعلومات المضللة والدعاية التي تأتي من وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام. يستغرق دفع الأشخاص للعمل معا على نطاق عالمي وقتا، وهذا وقت لا نملكه.. إذا عملنا بجد بما يكفي لفترة كافية، فإن تلك الانتصارات الجزئية ستبدو منطقية."

كما شجع الشباب على التحدث مع عائلاتهم حول تغير المناخ.

وقال: "لقد جُرح كوكبنا من جرّاء أفعالنا. لن تلتئم تلك الجروح اليوم أو غدا.. ]لكن[ أعتقد أنه يمكننا تأمين مستقبل أفضل. يجب أن نفعل ذلك."

حالة المفاوضات

في غضون ذلك، عقدت رئاسة COP26 "حدثا للتقييم" لمناقشة الوضع الحالي للمفاوضات في المؤتمر. وقد وجه ممثلو البلدان – على نحو مناسب – نداء قويا لحل البنود المتبقية على جدول الأعمال مع التركيز بشكل خاص على التمويل.

كما قالوا إن العدد الكبير من الالتزامات التي تم الإعلان عنها الأسبوع الماضي مرحب به، ولكن لا يزال يتعين رؤية الإجراءات.

وقال الوزير المفاوض عن غينيا الذي يمثل بلدان مجموعة الـ 77 والصين: "لا يمكن اعتبار مؤتمر أطراف بدون تمويل ملموس ناجحا."

جئنا إلى غلاسكو بتوقعات كبيرة. نحن بحاجة إلى الالتزامات القوية لضمان بقاء مليار شخص يعيشون في أقل البلدان نموا في المستقبل -- ممثل بوتان

وأضاف يقول: "نشعر بخيبة أمل لأن الدول المتقدمة ليست على استعداد لمناقشة المسائل المالية" متهما إيّاها بتقديم بعض "الوعود الفارغة."

وتناولت أنتيغوا وبربودا، ممثلة تحالف الدول الجزرية الصغيرة، الفشل في تقديم مليار دولار لتمويل المناخ من قبل بعض البلدان المتقدمة، فضلا عن عدم اليقين بشأن تمويل التكيّف، مع التأكيد على أن الطموح يجب أن يكون أعلى من ذلك بكثير.

وقال الوزير: "إذا سقطت شجرة في غابة ولم يسمعها أحد، فلن تصدر أي صوت. حدثت فعالية المساهمات المحددة وطنيا لفترة وجيزة في وقت متأخر من الليل في قاعة صغيرة مع فاصل موسيقي. لم يكن الزملاء هناك للاستماع إليها. يكشف التقرير عن فجوة طموحة هائلة، فنحن بحاجة إلى مساهمات وطنية أقوى لعام 2030 مع خطط تنفيذ ملموسة."

وكان الوزير يتحدث عن التقرير الذي يناقش الالتزامات الوطنية للحد من انبعاثات الكربون، والذي يشير إلى زيادة بنسبة 13 في المائة في الانبعاثات، بدلا من الخفض بنسبة 45 في المائة اللازمة للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.

وأعربت بوتان، التي تمثل مجموعة أقل البلدان نموا، عن أسفها، لأن البيانات العامة التي تدلي بها البلدان غالبا ما تختلف عما يُسمع في المفاوضات.

وقال ممثل بوتان: "لقد جئنا إلى غلاسكو بتوقعات كبيرة. نحن بحاجة إلى الالتزامات القوية لضمان بقاء مليار شخص يعيشون في أقل البلدان نموا في المستقبل. لا تزال هناك بنود رئيسية في المفاوضات نحتاج إلى حلها هذا الأسبوع."

وكان الممثل يشير إلى بنود الشفافية وأسواق الكربون وما يُسمى بـ "كتاب قواعد باريس" ]القواعد المطلوبة لتنفيذ اتفاق باريس لعام 2015[ بالإضافة إلى التمويل الذي أعلنت رئاسة COP26 أنه سيتم تناوله في الأسبوع الأخير من المفاوضات.

الطالب برنارد إيويكيا، من توفالو، يقف لالتقاط صورة في جناح بلاده خلال مؤتمر الأطراف COP26 في مؤتمر المناخ في غلاسكو.
UN News/Laura Quinones
الطالب برنارد إيويكيا، من توفالو، يقف لالتقاط صورة في جناح بلاده خلال مؤتمر الأطراف COP26 في مؤتمر المناخ في غلاسكو.

"مسألة حياة أو موت"

بالنسبة لبرنارد إيويكيا، الطالب الذي جاء من جزر توفالو في المحيط الهادئ، فإن الكلمات ليست كافية أيضا لبقاء شعبه على قيد الحياة. وقال لأخبار الأمم المتحدة: "هناك بالفعل خمس جزر حول توفالو اختفت، وأريد من زعماء العالم أن يقطعوا التعهدات، ولكن أيضا أن يتحركوا الآن، قبل اختفاء بلدي تماما."

وكان يتحدث من جناح بلاده الذي يضم صورا لمجموعة من الدببة القطبية، وبطريق يشاركون شعبه خطر الانقراض بسبب تغير المناخ.

أما بالنسبة للشاعرة الشابة من بابوا غينيا الجديدة، التي افتتح خطابها المؤثر أحداث اليوم، فالحلول الحقيقية موجودة داخل المجتمعات، لذا فإن دعمها أمر لا غنى عنه للتكيف والتخفيف.

ودعت إلى إزالة الجداول الزمنية. وقالت: "شعبي هو الحل. هذه أرضنا ولدينا صلات بها. دعونا نعمل معا، ونحكي قصتنا. ثقوا بنا لقيادة حلولنا محليا، ولنعمل الآن."

♦ تحميل تطبيق أخبار الأمم المتحدة بالعربية من متجر آبل لأجهزة الأيفون والآيباد IOS أو من متجر غوغل لأجهزة أندرويد Android .  

♦  الاشتراك في إشعارات البريد الإلكتروني.