منظور عالمي قصص إنسانية

بعد 10 سنوات على الحرب.. شابة سورية تخلّد الذكريات بالشعر

الشابة أمينة أبو كرش (16 عاما) تركت سوريا مع عائلاتها بسبب الحرب.
Mohammad Abou Kerech
الشابة أمينة أبو كرش (16 عاما) تركت سوريا مع عائلاتها بسبب الحرب.

بعد 10 سنوات على الحرب.. شابة سورية تخلّد الذكريات بالشعر

الثقافة والتعليم

تتذكر أمينة أبو كرش (16 عاما) أنها كانت في السابعة أو الثامنة من العمر عندما غادرت هي وأسرتها سوريا في أواخر عام 2012، هربا من النزاع. بعدها، أصبح الزمن يُقاس بعدد سنوات اللجوء.

من داريّا إلى مصر

أمينة أبو كرش من بلدة داريّا الواقعة بالقرب من العاصمة السورية دمشق، غادرت هي وأسرتها البلدة ولم تعد إليها منذ ذلك الحين. ما تذكره عن سوريا "هو رائحة القهوة التي كانت تتناولها جدتي قرب شجرة الياسمين على صوت فيروز. هو استيقاظي في الصباح الباكر مع إخوتي لنذهب مع أولاد الجيران إلى المدرسة".

كل شيء تلاشى بالنسبة لهذه الطفلة على حين غرّة. ومن هناك بدأت بتدوين كل ما تتذكره عن حياتها وعمّا تمرّ به. "ما كنت لأريد أن أقول لأحد ما أتذكره أو ما يتسبب بضيق لي".

مصر كانت محطة أمينة أبو كرش الأولى حيث ابتعدت الأسرة عن الأقرباء والأصحاب والجيران، وعن العادات التي اعتادت عليها، وكانت اللهجة المصرية غريبة عليها، كل شيء بدا مختلفا. "بدأت أشعر بالشوق وبالعذاب لأنني بعيدة عن بلدي وعن أحبائي وعائلتي. بدأت أكتب ما أتذكره، وما كانت عليه حياتي في السابق، وكيف تغيّرت".

قصيدة "اصنعوا لأطفال سوريا مستقبلا" لأمينة أبو كرش

الابتعاد عن سوريا أكثر

رحلت الأسرة إلى المملكة المتحدة في أواخر عام 2016. في حينها، كانت أمينة تشعر أنها تبتعد أكثر فأكثر عن سوريا. "كان الأمل أن نعود إلى سوريا بعد شهر عندما كنا في مصر، ولكن ساءت الأوضاع ولم يكتب لنا الله العودة".

إذا كانت اللهجة المصرية والعادات المختلفة بالنسبة لأمينة حاجزا، فقد كان تعلّم اللغة الإنجليزية والتعوّد على حياة جديدة في بريطانيا تحديا أكبر، لكنّها استطاعت أن تواجه هذا التحدي.

"استغرقني الأمر نحو عام، إذ لم أكن أتحدث اللغة الإنجليزية أبدا. أثناء الدراسة، كنا ننضوي تحت ما يُسمّى باللاجئين"، وفي المدرسة، بدأت أمينة بتلقي دورات في كتابة الشعر، واستعانت المدرسة بشعراء عرب، كانوا يقولون للطلاب "اكتبوا، أي شيء يصدر عنكم ضعوه على ورق، أي أمر تفكرون به سواء كان أمرا جيدا أم سيئا، اكتبوا كل ما تتذكرونه".

هنا شعرت أمينة بأن الفرصة سنحت لكي تخرِج إلى النور كل ما كتبته: "في البداية كنت أكتب فقط، وبعدها أصبحت أحوّل الكتابة إلى شعر. تعلمت كيفية تحويل الكتابة إلى أبيات شعر، وكيفية الإلقاء".

لعبة طفل  في أنقاض مبنى مدمر في  شرق الغوطة، ريف دمشق
UNICEF/UN013166/Al Shami
لعبة طفل في أنقاض مبنى مدمر في شرق الغوطة، ريف دمشق, by UNICEF/UN013166/Al Shami

الفوز بمسابقة بيتجيمان

بعد عام تقريبا، اشتركت الشابة السورية في "مسابقة بيتجيمان" البريطانية، رغم أنها لا تتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة، فبدأت بترجمة ما كتبته، وبالفعل فازت بالجائزة عن قصيدتها "في رثاء سوريا".

"كتبتُ عن قصيدتي وكل ما كنتُ أتذكره من ذكريات: كيف كنّا نستيقظ صباحا، وقهوة الصباح، كانت جدتي تستيقظ كل صباح تحتسي القهوة بجانب شجرة الياسمين على صوت فيروز، وتنادي الجيران. أتذكر كيف كنت أستيقظ صباحا مع إخوتي ونذهب مع أولاد الجيران إلى المدرسة. أثناء سيرنا نرى صبيا يدخن وعندما يرى والده أو شقيقه الأكبر يخفي السيجارة. كل ذلك لا يزال عالقا في ذاكرتي، وفجأة تغيّرت حياتي وانقلبت رأسا على عقب وأصبحت باللون الأبيض والأسود منذ أن غادرتُ سوريا".

بعد هذه المسابقة شاركت أمينة في مسابقات أخرى، والآن هي تكتب كل شيء بالإنجليزية، يساعدها والدها وخاصة في المصطلحات والمفردات.

أحلام الأطفال مفقودة بسبب الحرب

طفل في أحد مخيمات النزوح شمال شرق سوريا.
© UNICEF/Alessio Romenzi
طفل في أحد مخيمات النزوح شمال شرق سوريا., by © UNICEF/Alessio Romenzi

تقول أمينة إن داخل كل طفل يوجد حلم وأمل، لكنّ الحروب والضغوط التي يتعرّضون لها تجعلهم غير قادرين على مواصلة أحلامهم والتطلع إلى تحقيقها، ولذلك فهي من أشد دعاة التعليم.

"إذا كانت وسائل التعليم متاحة بالمخيمات، أتمنى أن يوصل الأطفال أصواتهم بالكتابة، لأن القلم هو سلاحهم الوحيد لإيصال كل ما يدور في خلجاتهم، وكتابة كل ما يشعرون به على الورق. لأن هذا الأمر سيجعلهم يشعرون بالراحة".

تقول أمينة، التي كانت طفلة عندما تركت منزلها في داريّا، إن الأطفال اللاجئين يعيشون في قلق وعذاب، وبعضهم يقول لنفسه "سأموت غدا"، لذا فهم يخافون من الغد. وترى أمينة أن اللجوء إلى الكتابة أو أي موهبة يتمتع بها الأطفال ستساعد في شعورهم بالارتياح.

أحلام أمينة وطموحاتها مستمرة. فهي تدرس حاليا الأحياء وعلم النفس والفنون، لكنّها ترغب في أن تصبح طبيبة أسنان. "لم أعد أخشى من شيء أو أشعر بالتوتر، أتذكر بالفعل تلك الذكريات وأتألم، ولكن على أمل أن يتحسّن الوضع، وفي نهاية المطاف أي حرب ستنتهي بسلام".