الأمين العام: البشر يشنون حربا انتحارية على الطبيعة، ولكنهم قادرون على إيجاد الحلول

2 كانون الأول/ديسمبر 2020

مع انهيار التنوع البيولوجي واختفاء الأنظمة البيئية وزيادة تلوث الهواء والماء والخسائر البشرية الناجمة عن ذلك، حذر الأمين العام للأمم المتحدة مما وصفها بالحرب الانتحارية التي يشنها البشر ضد الطبيعة. ودعا إلى تعزيز العمل على صعيد عدة مجالات لمنع الانزلاق إلى الفوضى ولتغيير علاقة البشر مع الطبيعة وبعضهم البعض.

 

وحدد أنطونيو غوتيريش، في خطاب ألقاه في فعالية في جامعة كولومبيا الأميركية المرموقة، مظاهر رد الطبيعة القوي والغاضب على تلك الحرب.

"التنوع البيولوجي ينهار، ويشرف مليون كائن على حافة الانقراض. الأنظمة البيئية تختفي أمام أعيننا. الصحاري تتوسع، والأراضي الرطبة تتلاشى. وكل عام نخسر عشرة ملايين هكتار من الغابات. المحيطات تتعرض للإفراط في الصيد وتختنق بنفايات البلاستيك، وثاني أكسيد الكربون الذي تمتصه يزيد حمضية مياه البحار. الشعاب المرجانية تتعرض للتبييض وتموت. تلوث الهواء والماء يقتل تسعة ملايين شخص سنويا، بما يزيد بأكثر من 6 مرات عن عدد ضحايا جائحة كوفيد-19. ويجب ألا ننسى أن 75% من أمراض الالتهابات البشرية الجديدة والناشئة تنتقل من الحيوانات".

UN Photo/Eskinder Debebe
الأمين العام أنطونيو غوتيريش يتحدث مع البروفيسيرة مورين ريمو الخبيرة في مجال المناخ في جامعة كولومبيا الأميركية، خلال فقرة تفاعلية أجاب فيها على أسئلة متابعي خطابه حول حالة كوكب الأرض، الذي ألقاه في الجامعة.

 

ارتفاع في درجات الحرارة

وأشار الأمين العام إلى تقريرين جديدين صادرين عن كل من المنظمة الدولية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، يظهران مدى اقتراب البشر من وقوع كارثة مناخية.

وأضاف أن عام 2020 على المسار لأن يصبح واحدا من أكثر ثلاث سنوات ارتفاعا في درجات الحرارة على مستوى العالم، حتى مع الأثر الخافض للحرارة لظاهرة النينا هذا العام.

كما يعد العقد الماضي الأكثر ارتفاعا في درجة الحرارة في التاريخ البشري، فيما سجلت حرارة المحيطات مستويات قياسية.

كوفيد-19

وأشار أمين عام الأمم المتحدة إلى أن الإغلاقات المرتبطة بجائحة كوفيد-19 قللت، بشكل مؤقت، انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والتلوث. ولكنه أضاف أن معدلات ثاني أكسيد الكربون تظل عند مستوياتها القياسية، كما أنها تواصل الزيادة.

"العلم واضح: من أجل الحد من ارتفاع درجة الحرارة كيلا يزيد عن 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، يتعين على العالم خفض إنتاج الوقود الأحفوري بنحو 6% سنويا في الفترة بين الوقت الحالي و2030. ولكن بدلا من ذلك يسير العالم في الاتجاه المعاكس، إذ توجد خطط لزيادة سنوية تبلغ 2%".

ويرى الأمين العام أن تداعيات ما وصفه بالاعتداء على كوكبنا، تعرقل جهود القضاء على الفقر وتهدد الأمن الغذائي، وتُصعّب العمل من أجل السلام فيما تؤدي الاضطرابات إلى عدم الاستقرار والنزوح والصراع.

وليس من قبيل المصادفة، كما قال الأمين العام، أن تكون 70% من أكثر الدول الضعيفة مناخيا من بين الأضعف سياسيا واقتصاديا. وأضاف قائلا:

"فلنكن واضحين، الأنشطة البشرية هي الأسباب الجذرية لانزلاقنا نحو الفوضى، ولكن هذا يعني أن العمل البشري هو الذي يمكن أن يساعد في حل ذلك. تحقيق السلام مع الطبيعة هو المهمة الحاسمة للقرن الحادي والعشرين. ويجب أن تكون الأولوية الأولى للجميع في كل مكان".

وفي هذا السياق يعد التعافي من الجائحة فرصة، حسب الأمين العام للأمم المتحدة الذي قال إن هناك بصيص أمل يوفره تطوير اللقاحات. ولكنه أشار إلى عدم وجود لقاح لتحصين كوكب الأرض. 

© UNICEF/Samir Jung Thapa
توصيل إمدادات الغذاء والماء عبر الزوارق إلى قرية في مقاطعة بانكي في نيبال، بعد تعذر الوصول إليها برا بسبب الأمطار الغزيرة.

 

قرض من الأجيال المقبلة

وأضاف أنطونيو غوتيريش أن تريليونات الدولارات الضرورية للتعافي من جائحة كوفيد-19، هي أموال مقترضة من الأجيال المقبلة. وقال "لا يمكننا استخدام هذه الموارد لترسيخ سياسات تلقي أعباء على تلك الأجيال بجبل من الديون في كوكب منهار".

وأكد أن الوقت قد حان للتحول إلى الاقتصاد الأخضر المستدام المدفوع بالطاقة المتجددة الذي يوفر وظائف جديدة وبنية أساسية نظيفة ومستقبلا صامدا. وسيساعد العالم الجامع في ضمان أن يتمتع الناس بصحة أفضل مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان، وأن يعيشوا بكرامة على كوكب مُعافى، وفق الأمين العام الذي أضاف أن التعافي من كوفيد، وإصلاح كوكب الأرض يجب أن يكونا وجهين لعملة واحدة.

أزمة مناخية

وقال الأمين العام، في خطابه عن حالة كوكب الأرض، إن العالم يواجه ثلاث حتميات في التعامل مع أزمة المناخ.

  • أولا: الوصول إلى حياد الكربون (صفر انبعاثات لغازات الاحتباس الحراري) خلال الثلاثين عاما المقبلة.
  • ثانيا: مواءمة التمويل الدولي مع اتـفاق باريس، الذي يعد خطة العالم للعمل المناخي.
  • ثالثا: تحقيق تقدم كبير في التكيف مع التغير المناخي لحماية العالم، وخاصة الناس والبلدان الأكثر ضعفا من الآثار المناخية.

حياد الكربون

تحققت خلال الأسابيع الأخيرة تطورات إيجابية مهمة، منها التزام الاتحاد الأوروبي بأن تكون أوروبا أول قارة تصل إلى حياد الكربون بحلول عام 2050، وتعهد المملكة المتحدة واليابان وجمهورية كوريا وأكثر من مئة وعشر دول بنفس الهدف. وأشار الأمين العام أيضا إلى أن الإدارة الأميركية المقبلة أعلنت المثل، كما تعهدت الصين بالوصول إلى ذلك قبل عام 2060.

ودعا الأمين العام إلى تحويل هذا الزخم إلى حركة، وقال إن الهدف الجوهري للأمم المتحدة خلال عام 2021 هو بناء تحالف حقيقي لحياد الكربون. وأعرب عن ثقته في أن عام 2021 يمكن أن يشهد حدوث قفزة نوعية نحو هذا الهدف.

"يجب أن تتبنى كل دولة ومدينة ومؤسسة مالية وشركة خططا للتحول نحو صفر انبعاثات بحلول عام 2050. وأشجع المتسببين الرئيسيين في الانبعاثات على أن يقودوا الطريق بالقيام بعمل حاسم الآن للسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الرؤية، بما يعني تقليص انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على المستوى الدولي بنسبة 45% بحلول 2030 مقارنة بمستويات عام 2010".

وأكد الأمين العام أن كل الأفراد يجب أن يقوموا بدورهم، كمستهلكين أو منتجين أو مستثمرين. 

 

Unsplash/Appolinary Kalashnikova
الطاقة النظيفة، مثل طاقة الرياح، عنصر رئيسي في الوصول إلى صفر انبعاثات لغازات الاحتباس الحراري. الصورة لمحطة توليد الطاقة بالرياح في مونتينغرو.

التمويل

أكد أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ضرورة أن تترجم الحكومات التزاماتها بالوصول إلى صفر الانبعاثات إلى سياسات وخطط وأهداف بأطر زمنية محددة. وقال إن ذلك سيوفر الوضوح والثقة لقطاع الأعمال للاستثمار في حياد الكربون.
وأضاف أن الوقت قد حان للتدابير التالية:

  • وضع تسعير للكربون
  • الإنهاء التدريجي لتمويل الوقود الأحفوري (مثل النفط والفحم) ووقف دعمه.
  • وقف بناء مزيد من مصانع الفحم، وتمويل طاقة الفحم محليا وفي الخارج.
  • تحويل عبء الضرائب من الدخل إلى الكربون، أي من دافعي الضرائب إلى المتسببين في التلوث.
  • إدماج هدف حياد الكربون في كل السياسات والقرارات الاقتصادية والمالية.
  • وجعل الإعلان عن مخاطر التمويل المرتبطة بالمناخ، إلزاميا.

وشدد الأمين العام على ضرورة مواءمة كل التدفقات المالية العامة والخاصة مع اتفاق باريس للمناخ وأهـداف التنمية المستدامة
كما دعا كل الدول إلى التوصل إلى حل وسط بشأن المادة السادسة من اتفاق باريس، فيما تستعد لانعقاد المؤتمر السادس والعشرين لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (كوب-26) العام المقبل.

تقدم في التكيف والصمود

يرى الأمين العام أن العالم في سباق مع الزمن ليتكيف بشكل عاجل مع التغير في الطقس. وشدد على ضرورة عدم إهمال عنصر التكيف في العمل المناخي. ويمثل هذا العنصر حتى الآن 20% فقط من التمويل المناخي، بما يعرقل العمل الأساسي للحد من خطر الكوارث.
وأكد على الحتمية الأخلاقية والاقتصادية لدعم الدول النامية في التكيف وبناء الصمود في وجه التأثيرات المناخية الراهنة والمستقبلية.

وقال إن على جميع المانحين وبنوك التنمية متعددة الأطراف الالتزام بزيادة نصيب تمويل التكيف والصمود إلى 50% على الأقل من التمويل الداعم في مجال المناخ، وذلك قبل مؤتمر الأطراف.
وقال إن السباق نحو الصمود المناخي يضاهي أهمية السباق لتحقيق حياد الكربون.

دور محوري للمرأة

ذكر الأمين العام أن آثار تغير المناخ والتدهور البيئي تقع أكثر ما يكون على كاهل النساء اللواتي يمثلن 80% من النازحين بسبب المناخ.
ولكنه قال إن النساء أيضا هن العمود الفقري للزراعة ورعاة الموارد الطبيعية، ومن بين المدافعين الرئيسيين عن حقوق الإنسان في مجال البيئة. وأضاف:"تمثيل النساء في البرلمانات الوطنية يرتبط بشكل مباشر بتوقيع اتفاقات تغير المناخ. وفيما يضع البشر استراتيجيات إدارة الموارد الطبيعية وحماية البيئة وبناء اقتصاد أخضر، نحتاج إلى مزيد من النساء صانعات القرار حول الطاولة". 

وخلص غوتيريش إلى القول إنه فصّل في خطابه الأزمة، لكنه يرى أيضا أملا يتمثل في تاريخ من التقدم الذي يظهر ما الذي يمكن تحقيقه من الحفاظ على طبقة الأوزون إلى خفض معدلات الانقراض وتوسيع المناطق المحمية.
وذكر أن الوقت قد حان لتغيير علاقة البشر بعالم الطبيعة وببعضهم البعض.
وشدد على ضرورة العمل المشترك، وقال إن التضامن هو السبيل للبقاء، وهذا هو الدرس المستخلص من عام 2020. ودعا الأمين العام إلى التعلم من الدرس وتغيير المسار خلال الفترة المحورية المقبلة.

♦ تحميل تطبيق أخبار الأمم المتحدة بالعربية من متجر آبل لأجهزة الأيفون والآيباد IOS أو من متجر غوغل لأجهزة أندرويد Android .  

♦  الاشتراك في إشعارات البريد الإلكتروني.