حوار خاص: مؤسسة علّمني في مصر تسعى لإعادة تعريف التعليم والتركيز على مهارات الطلاب

22 تشرين الأول/أكتوبر 2020

في مصر، توجد 54 ألف مدرسة حكومية، وستة آلاف مدرسة خاصة. أما في الجيزة وتحديدا في منطقة الطالبية، فثمّة مدرسة مجتمعية واحدة تديرها مؤسسة "علّمني" تقدم برامج تطوير لكل من معلمي وطلاب المدارس في عدد من المحافظات، وتهتم بتنمية مهارات الطلاب ومحتوى المناهج.

مؤسسة علّمني في مصر هي مؤسسة رائدة في مجال تغيير مفهوم التعليم في البلاد، وتؤمن بنموذج تعليمي متطور قائم على التركيز على مهارات الطالب، يهدف لترويج تحقيق الذات والتعلم مدى الحياة.

المؤسسة بدأت عام 2010 بفكرة تعليم الأطفال الذين أخرجهم ذووهم من المدرسة بسبب عدم القدرة على تحمّل التكاليف، لكنها تطورت الآن وأصبحت تقدم خدمات استشارية وبرامج لتنمية مهارات أكثر من 400 طالب. وقد حصلت المؤسسة مؤخرا على جائزة اليونسكو - حمدان بن راشد آل مكتوم، للممارسات والأداء المتميز في تعزيز فعالية المعلمين.

ضيفة أخبار الأمم المتحدة هي كريستين صفوت، المديرة التنفيذية لمؤسسة علمني في مصر.

أخبار الأمم المتحدة: أهلا بكِ. من أهم أهداف مؤسسة علمني تغيير مفهوم التعليم في مصر. كيف يتحقق ذلك وما أبرز البرامج التي تديرها المؤسسة لتحقيق ذلك؟

كريستين: في البداية أنا مسرورة للحديث معكم. نحن لا نؤمن فقط بأن التعليم ينحصر في تعلم القراءة والكتابة والحساب، وهذا أمر مهم بلا شك، لكننا أيضا نؤمن بأن التعليم يجب أن يشمل الطفل ككل، وجزئية التعلم العاطفي الاجتماعي أو ما يُعرف بـ social emotional learning هي أمر متعلق بالقيم والمهارات من أجل إعداد الطفل ليكون في رحلة تعلّم مستمرة، فالتعليم لا يتوقف عند المدرسة، يجب أن نساعد الطفل على اكتشاف نفسه ومهاراته، وأن يضع هدفا نصب عينيه وأن يتحرك باتجاهه، وأن يكون هو نفسه مؤثرا في المجتمع.

كيف نحقق ذلك؟ لا نكتفي فقط بوضع برامج تعليمية جيدة، بل أيضا هدفنا إعادة تعريف التعليم في مصر. لدينا ثلاثة برامج أساسية، أولها أننا أسسنا مدرسة مجتمعية في منطقة عشوائية في الجيزة، اسمها الطالبية. هذه المدرسة هي المدرسة المعمل أو Lab School، لأنها المدرسة التي نجرب بها النموذج التعليمي الخاص بنا، وهو مرتبط بالسياق المصري. نحن لا نجلب نموذجا من الخارج ونسعى لتطبيقه في مصر، النموذج هو من داخل مصر وفي مكان فيه تحديات كبيرة حتى يتوفر عنصر الابتكار لدينا. هذا النموذج يعمل ليس فقط على القراءة والكتابة والحساب، ولكن أيضا نعمل على مجموعة من القيم والمهارات ونعلّم الأشخاص ذلك بطريقة مهنية. ونحن نقوم بأبحاث منذ ثلاثة أعوام لدراسة الأطفال حتى نتمكن من تحديد ما هو الناجع وما هو غير المجدي في هذا النموذج لنقدر على تطوير النموذج من جهة، ومن جهة أخرى حتى يكون لدينا إثبات لهذا النموذج.

ثانيا، نعمل على تطبيق الممارسات التي نجدها في هذه المدرسة على المدارس الحكومية في برنامج يُدعى "رحلة تطوير المدرسة" وهدف هذا البرنامج إحداث تغيير أو تطوير شامل للمدرسة لكي تصبح مدرسة تعلّم مستمر، ويعمل من فيها على تنمية مهاراتهم وقدراتهم، ولهذا السبب نعمل مع الفئات المختلفة داخل هذه المدرسة، من المدرسين للمديرين للأخصائيين، وأيضا المشرفين، إضافة إلى أولياء الأمور والطلاب. ونعمل معهم في رحلة مدتها من سنة إلى ثلاث سنوات، وهذا هو المشروع الذي حصلنا بفضله على جائزة اليونسكو. تتضمن هذه الرحلة أنشطة مختلفة منها تدريبات ومتابعة داخل صفوف المدرسة بهدف تطوير أداء المدرسة وتطوير بيئة التعلم داخل المدرسة.

ثالثا، الممارسات التي تنشأ من مدرستنا، أو من المدارس الحكومية التي عملنا فيها، نأخذها ونسعى لإعادتها إلى صناع القرار في مصر، لأننا نسعى لأن يشمل التغيير منظومة التعليم ككل. مصر فيها 54 ألف مدرسة حكومية وستة آلاف مدرسة خاصة. معظم أبناء الشعب يتخرجون من المدارس الحكومية، ولهذا السبب نحن نتعاون منذ البداية مع الوزارة حتى نتمكن من الوصول إلى الـ 54 ألف مدرسة حكومية، ودعونا لأول مؤتمر للمعلمين والمدارس الحكومية عام 2018 بحضور وزير التربية والتعليم، وكان ألف شخص من الحضور، من معلمي المدارس الحكومية. لدينا 400 طالب في مؤسستنا، ولدينا 80 موظفا، وعملنا في حوالي 430 مدرسة حكومية مع 6 آلاف تربوي في أكثر من سبع محافظات في مصر.

أخبار الأمم المتحدة: بحسب تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2018، فإن جودة التعليم في مصر في المرتبة 133 من بين 137 دولة. لماذا هذا التردي في جودة التعليم؟ وكيف يمكن تحسين جودة التعليم؟

كريسيتن: ثمّة عوامل كثيرة قد تؤثر على ذلك، من ضمنها الكثافة الطلابية داخل الصفوف، يوجد مدارس فيها من 60 إلى 100 طالب في الفصل الواحد، هذا يؤثر على التركيز ويمثل تحديا أمام المعلم، مجرد إدارة الفصل صعبة جدا. كما أن الدعم الموجود قد لا يكون بالقدر الكافي، فالمدرّس يحتاج إلى حلول عملية، ليس نظريات، لتطبيقها في ظل هذه التحديات. لدينا 54 ألف مدرسة حكومية وفيها 20 مليون طالب ومليون مدرس، حجم النظام ضخم، والتفكير في الحلول يتطلب وقتا. وبعد كـوفيد-19 أصبح التأخر أكبر لدى الطلاب في القراءة والكتابة والحساب. لدينا برنامج اسمه Teaching at the Right Level فكرة البرنامج هي أن الأطفال لا يجلسون بالصفوف الدراسية بحسب السن ولكن بحسب مستواهم ومهارتهم في القراءة والكتابة والحساب. رأينا هذا البرنامج في الهند وأثبت نجاحا غير عادي وبدأ نشره في دول أخرى، وسياقه يشبه السياق المصري. حاليا مؤسسة علمني تعمل تجربة على أول 50 مدرسة في مصر سيتم تطبيق هذا البرنامج فيها. هذا من أكثر البرامج المناسبة لسياق مصر وتنمية مهارات الطلاب في تعلم القراءة والكتابة والحساب.

أخبار الأمم المتحدة: ما أبرز النصائح التي تقدمونها لأولياء الأمور وأيضا المدارس في ظل جائحة كوفيد-19؟

كريستين: أكثر شيء نراه في هذا الوقت أنه وقت جديد خاصة للنظام التعليمي. كوفيد-19 كان سببا في أن تتغير منظومة التعليم، سواء في النظام الحكومي أو الخاص في العالم وفي كل المستويات. يجب أن ندرك أن هذه مرحلة تعلّم، وأنها فرصة لفهم أمور لم نكن نفهمها أو ندركها قبل الآن. ودائما نقول إن التلاميذ يريدون أن يتعلموا ويحبوا التعلم، لكننا لا نعرف كيف نحقق ذلك. ولذلك فهذه فرصة أن نفهم الأطفال، ونفسح لهم المجال ليشرحوا لنا كيف يريدون التعلّم. نحن نرى أن هذا تحد كبير، ولكنه قد يكون الأنسب للأجيال الحاضرة، حتى لو أن نسبة المحتوى ليست بنفس الكم ولكن من المهم أن نبحث عن الكيفية، وليس فقط الانتهاء من المنهج، علينا التركيز على المهارات الأساسية ونفسية الطفل. أقول للأهالي أن يكونوا منفتحين، فهم جزء من هذه العملية، أو عنصر أساسي فيها، ولكن مطلوب منهم أكثر من ذلك، ويجب أن يكون لديهم صبر على أولادهم، ويقدموا لهم الفرصة للتعبير، والتعلم من الأبناء.

أطفال يشاركون في مخيم بناء الرواد بمؤسسة علمني (صورة من الأرشيف)
Educate Me Foundation
أطفال يشاركون في مخيم بناء الرواد بمؤسسة علمني (صورة من الأرشيف)

أخبار الأمم المتحدة: من قيم المؤسسة الأساسية تمكين الأحلام. من ملاحظاتكم، بماذا يشترك غالبية أو معظم الطلاب في مصر؟ أم أن أحلامهم وطموحاتهم مختلفة.

كريستين: للأسف، لأن مصر فيها تحديات كثيرة، وخاصة في السياق الذي نتكلم فيه، ونحن نعمل مع أطفال في مدارس حكومية، فالفرص المتاحة للأطفال هناك ليست كغيرهم، من ضمنها بيئة التعلم وطريقة التربية في البيت وحتى في المدارس. ولذلك، مع الوقت أصبح موضوع أننا نحلم وكأنها "حاجة ماتت"، حتى من كان في الماضي يقول "أنا بحلم" أصبحت في مجتمعنا وكأنها أمر غريب وليست دارجة. نحن نتمسك بهذه القيمة رغم أنها غير ملموسة لكنها نابعة من حقيقة أننا بتنا نرى أن مجتمعنا لم يعد يحلم، ومجتمع من غير حلم ومن غير رؤية لن يعرف كيف يتحرك للأمام.

نحن طوال الوقت في رحلة تعلّم مستمر. هذا يمكّن الناس من اكتشاف مهاراتهم وأحلامهم والسير خلفها. ونرى أشخاصا خرجوا من مؤسستنا لمطاردة أحلامهم، هذا نجاح ونفتخر به. فالبيئة في المؤسسة أو المدرسة تُخرج أجمل ما لدينا. من غير حلم ومن غير أمل من الصعب أن نتقدم ونتطور.

أخبار الأمم المتحدة: مرت المؤسسة بمراحل كثيرة من عام 2010 حتى الآن. كيف ترين دور المؤسسة في الأعوام الخمسة المقبلة؟

كريستين: في المؤسسة في الأشهر الماضية كنا نعمل على الخطة الاستراتيجية طويلة المدى. وسيكون لدينا خمسة اتجاهات في المرحلة القادمة.

أولا، في مدرستنا أو المعمل الخاص بنا نريد تطبيق هذا النموذج في أكثر من سياق في مصر، ونريد فتح أكثر من مدرسة في مناطق جغرافية مختلفة، لأننا نحاول إثبات هذا النموذج ولا يمكن إثبات هذا النموذج من غير تطبيقه في أماكن أخرى مثل صعيد مصر والدلتا وفي سيناء، حتى يتم تجريبه في عدّة سياقات.

ثانيا، نريد نشر العمل المهني في 10 محافظات إضافية لكي نتمكن من تطبيق هذه الممارسات في محافظات مختلفة ومدارس أكثر لنعود ونفيد بها النظام، ونعود بها لصانعي القرار.

ثالثا، في المرحلة المقبلة نريد التركيز على البحث، ونريد نشر الممارسات التي تخرج من المدارس حتى تكون متاحة للمجتمع وللعاملين في مجال التعليم، وللمجتمع المدني أو في الوزارة وخارجها، للاستفادة منها.

رابعا، نحن دائما حريصون على إعادة الممارسات لصانعي القرار، حتى لا يكون التغيير مطبقا على عدد مدارس معيّن أو عدد معلمين معيّن، لكن أن يكون التغيير على مستوى المنظومة التعليمية ككل.

وأخيرا، نحن كمؤسسة، وكي نتمكن من القيام بكل ذلك، نحتاج لاستدامة مالية. ولذلك فإن نموذج استدامة مالية واضحا للمؤسسة هو أمر مطلوب كي نستطيع التوسع والوصول لأحلامنا.

أخبار الأمم المتحدة: شكرا لك كريستين صفوت، المديرة التنفيذية لمؤسسة علمني في مصر.

♦ تحميل تطبيق أخبار الأمم المتحدة بالعربية من متجر آبل لأجهزة الأيفون والآيباد IOS أو من متجر غوغل لأجهزة أندرويد Android .  

♦  الاشتراك في إشعارات البريد الإلكتروني.