31 كانون الثاني/يناير 2020

عند اندلاع النزاعات المسلحة في أي مكان في العالم، غالبا ما تتجه كل الأنظار نحو مجلس الأمن ومحاولات دوله الأعضاء، التي قد تنجح أو تخيب، لحل الأزمات ومنع سفك الدماء. لكن هناك دبلوماسيةٌ أكثر هدوءا وأقل ضجيجا، تعمل لذات الهدف، في كواليس المجتمع الأممي.

تعمل فرق الوسطاء الأمميين، والتي تشرف عليها المسؤولة الأممية الأبرز في الشؤون السياسية، روزماري ديكارلو، على الجمع بين الأطراف المتحاربة في جميع أنحاء العالم حول طاولة للحوار، مستخدمة خبراتها في التوسط وفض النزاعات، بهدف جعل العالم مكانا أكثر أمنا وسلاما.

وتقود السيدة روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام، هذه الفرق المتخصصة، بصفتها واحدة من كبار المسؤولين في الأمم المتحدة في مسائل السلام والأمن. غالبا ما يشاهد العالم السيدة ديكارلو وهي تقدم إفاداتها لأعضاء مجلس الأمن الدولي مستعرضة تحليلات وتوصيات الأمم المتحدة. وقد تتصادم هذه الإفادات في أحيان كثيرة مع الأصوات المتعارضة والمختلفة للدول الأعضاء فيما يتعلق بالصراعات الرئيسية في العالم، مثل التي نشهدها في سوريا أو اليمن على سبيل المثال.

طرأت على الدور الذي تلعبه وكيلة الأمين العام وإدارة الشؤون السياسية وبناء السلام الكثير من التغيرات على مرّ السنين، وقد اتسع نطاقه. اليوم، تتضمن أعباء هذه المسؤولة الأممية القيام بتحليل السياسات، والضلوع في الجهود الدبلوماسية لمنع نشوب الصراعات في المقام الأول، والإشراف على الطابع السلمي للانتخابات في دول العالم، وعلى أعمال البعثات السياسية الميدانية التي تبعثها الأمم المتحدة لمناطق الصراع والأزمات.

الوسطاء: "أبطال مجهولون في بناء السلام"

روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام، تتفقد حرس الشرف أثناء وصولها إلى المطار الدولي في مقديشو، الصومال. 

أعمال التوسط بين الفرقاء ظلت دائما الدعامة الأساسية لعمل هذه الإدارة الأممية، وما زال دورها اليوم بالغ الأهمية. تضم إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام فريقا جاهزا من الوسطاء المتمرسين، من ذوي الخبرة في مساعدة الأطراف المتحاربة على الوصول إلى طاولة المفاوضات، وفي دعم الحوار بين الطوائف المتناحرة والمختلفة، وتقديم المشورة في مسائل صياغة الدستور وإصلاح قطاع الأمن. ويتعامل فريق الوسطاء بشكل عام مع مجموعة من القضايا المعقدة، والتي غالبا ما تكون جذرية في تصاعد الصراعات.

ويعمل الوسطاء في كافة المواقع، المرتبطة منها ببعثات الأمم المتحدة أو خارجها، بما في ذلك بعض العمليات الكبرى، مثلما في أفغانستان والعراق حيث تتركز أعمالهم في المساعدة على تعزيز السلام والمصالحة. وبسبب الطبيعة الحساسة لعمل هؤلاء الخبراء الأمميين، فإن الكثير مما يقومون به يظل دائما خلف الكواليس وتحت الغطاء.

أخبار الأمم المتحدة التقت، في نهاية عام 2019، بالسيدة روزماري ديكارلو في المقر الدائم في نيويورك، حيث أطلعتنا على بعض رؤاها حول الدور المتطور للمنظمة في منع نشوب الصراعات، كما حدثتنا عن آمالها، ومخاوفها، فيما يخص مستقبل السلم والأمن حول العالم.

بدأت السيدة ديكارلو بالتأكيد على الأهمية القصوى لقدرة الأمم المتحدة على العمل "كوسيط نزيه" بما في ذلك الحفاظ على سرية المفاوضات الحساسة وحمايتها.

التفاوض المحايد

"أولا وقبل كل شيء، نحن نتعامل مع كل موقف من منظور شديد الحياد. نحن نذهب إلى المفاوضات بطريقة نزيهة، وليس لدينا افتراض مسبق أو محدد حول الكيفية التي يجب أن ينتهي بها أمرٌ ما. ما نهدف إليه فقط هو أن يتمكن الناس من أن يقرروا بأنفسهم كيفية المضي قدما. وإذا نجحنا في ذلك من خلال وساطتنا، فهذا ما نقوم به."

أولويتنا الأولى هي بناء الثقة بيننا وبين الأطراف، تقول المسؤولة الأممية، ولكن ذلك يتضمن أيضا ضمان السرية. "الكثير مما نقوم به من عمل لا تتم الكتابة عنه أبدا، ولا يتم نشره؛ ذلك لأن هدفنا هو ما يلي: نريد أن يتمكن الناس من الالتقاء والاجتماع معا، وأن يشعروا بأنهم قد توصلوا إلى اتفاق مستدام فيما بينهم."

"كان لدينا عدد من الحالات تمكنا فيها من نزع فتيل التوترات المحيطة بممارسة الانتخابات مثلا، حيث يرغب زعيم معين في تمديد ولايته على السلطة. وقد تمكنا من إجراء مناقشات، وجمع الأحزاب المختلفة للاتفاق معا. ومثل هذه الحالات يصعب حلها إلى حد كبير في العديد من المجتمعات."

"ونحن نقوم بإرسال وبعثات دبلوماسيين من ذوي الخبرة، وقد نبعث أحيانا بموظف سابق في الأمم المتحدة، أو مسؤول سابق رفيع المستوى من إحدى الدول الأعضاء، ليتولى قيادة المناقشات بين الأطراف المتنازعة. يتولى هؤلاء قيادة الحوار حول الطريق إلى الأمام، والنظر فيما إذا كان بإمكان الأطراف قبول نتائج الانتخابات مثلا أو، في بعض الحالات، إعادة بعض جوانب العملية الانتخابية ".

كلمات الحكماء: زعماء سابقون يساعدون جهود الأمم المتحدة في تحقيق السلام

أعضاء المجلس الاستشاري رفيع المستوى للأمين العام المعني بالوساطة

منذ بداية ولايته في عام 2017، حرص الأمين العام الحالي للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، على جعل الوساطة واحدة من أولوياته الرئيسية. وقد أنشأ غوتيريش في عام 2017 مجلسا استشاريا رفيع المستوى معنيا بمسائل الوساطة، يتكون من 18 عضوا وعضوة من ذوي الخبرة في الدبلوماسية والتوسط.

وتقول السيدة ديكارلو إن هذا المجلس قد أحدث فرقا ملموسا في قدرة الأمم المتحدة على حل النزاعات، وساعد المنظمة الأممية على أن تضمِّن في عمليات بناء السلام أصواتا تتسم بالتنوع.  

"إذا رأينا مشكلة في أمريكا اللاتينية مثلا، حيث توجد خلافات بين حكومة ما ومتظاهرين ضدها، أو بين الحكومة والمعارضة، فقد نطلب من أحد أعضائنا الخبراء في قضايا المنطقة أن يتوفر لبضعة أيام أو أسابيع للمساعدة في حل أي من هذه الخلافات".

ويقدم هؤلاء الزعماء بخبرتهم للأمم المتحدة الكثير من التوجيه والحكمة التي اكتسبوها من تجاربهم السابقة، حسبما تقول السيدة ديكارلو. فالعديد من هؤلاء كانوا زعماء لبلدانهم في الماضي، أو وزراء خارجية سابقين أو مسؤولين رفيعي المستوى حققوا بالفعل الكثير في حياتهم المهنية. وهم بذلك، حسب وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية، يساعدون الأمم المتحدة الآن في النظر إلى وضع بعينه، ويقومون بالمساعدة في التوسط حوله منعا لنشوب الصراع.

الحاجة إلى "أصوات متنوعة"

ورشة عمل حول المرأة والسلام والأمن في شمال دارفور، السودان نظمتها بعثة الأمم المتحدة المشتركة هناك.

"لقد عملنا كثيرا مع المجلس الاستشاري على مسألة إشراك النساء والشباب في مختلف العمليات السياسية" تقول السيدة ديكارلو.  "وعندما يقدم مبعوثونا القادمون من الميدان تقاريرهم الدورية إلى الأمين العام ومجلس الأمن، فإنهم يضمِّنون دائما تلك الجوانب المتعلقة بالمرأة والشباب في تحليلاتهم."

"عندما نكون نحن من يقود عملية سلام معينة أو مفاوضات معينة، فإننا نحرص على أن نؤكد على أن تكون نسبة مئوية معينة من المشاركين، من النساء. ويجب أن تكون مشاركتهن حقيقية. من الأمثلة على ذلك، عملنا في اللجنة الدستورية السورية، حيث نعمل بجد لضمان مشاركة النساء بنسبة 30 في المائة من بين 150 عضوا."

"ونحن نجتمع بشكل منتظم مع خبراء متخصصين في قضايا بعينها، وقد كان حصولنا على آراء متنوعة من مجموعات المجتمع المدني العاملة على مواضيع مثل حقوق المرأة أو اللاجئين أو النازحين أو غيرها، شديد الأهمية والفائدة. وقد جعلنا من ذلك ممارسة تتيح لنا التأكد من سماع أصوات هؤلاء عندما نكون في الميدان."

مشهد يزداد تعقيدا

امرأة نازحة داخليا تجلس في خيمة مؤقتة مع أحفادها في منطقة واجالي في الصومال. وقد أجبرت الأسرة على الانتقال من منطقة هارو شيخ بسبب الجفاف الشديد.

في السنوات الأخيرة، تغير مشهد الصراعات والنزاعات، مع تزايد مشاركة جهات فاعلة من غير الدول والحكومات، مما كان لها تأثير كبير على أنشطة إدارة الشؤون السياسية. ويمثل ذلك واحدا فقط من بين العديد من العوامل المزعزعة للاستقرار، حيث يعتبر تغير المناخ من أهم هذه العوامل، الذي تصفه السيدة ديكارلو بأنه "مضاعف للتهديدات" التي تعمل أدارتها السياسية على المساعدة في حلها.

"لقد رأينا هذا في أفريقيا، على سبيل المثال، في قتال المزارعين والرعاة على الأرض، وفي التهجير الذي يتعرض له الناس مما يؤدي بعد ذلك إلى توترات بين المجموعات السكانية، وفي بعض الحالات، إلى اندلاع العنف بينها. وبينما نسعى إلى جني الثمار التي توفرها الابتكارات، نعلم أن التقنيات الجديدة يمكن أن تزعزع الاستقرار هي الأخرى. لذلك، هناك العديد من المجالات التي يجب علينا أخذها في الاعتبار."

"هناك أيضا حقيقة أنه يتعين علينا استيعاب العديد من القضايا التي لم تكن تقليديا جزءا مما تتعامل معه الإدارة السياسية، مثل المناخ أو الابتكارات التقنية أو الهجمات الإلكترونية. هذه كلها مجالات جديدة بالنسبة لنا، وعلى مدار الأعوام القليلة الماضية كان علينا بناء فهم لهذه القضايا حتى نتمكن من اتخاذ خطوات والمضي قدما في عملنا."

"فيما يتعلق بتغير المناخ، على سبيل المثال، لدينا خلية صغيرة في قسم سياساتنا ظلت تعمل مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لمدة عام ونصف، لتدرس تأثير تغير المناخ على الأمن. كما تدرس هذه الإدارة الصغيرة طرق التعامل مع المجتمعات التي تجد نفسها مشردة بسبب تغير المناخ، وهي توضح أن مثل هذه القضايا تكون في الكثير الغالب، إنذارا مبكرا لتطور أكثر خطورة، من حيث العنف أو الصراع".

"سوء الفهم" حول المهام الجليلة للإدارة السياسية

من الأرشيف: جلسة مجلس الأمن حول إطار تعزيز التعاون والشراكة بين المجلس وجامعة الدول العربية.

على الرغم من ثقتها من أن الإدارة السياسية الأممية التي تتولى قيادتها تتكيف مع المتطلبات المتغيرة للنزاعات العالمية، فإن السيدة ديكارلو تقول إنها غالبا ما تشعر بالإحباط بسبب "سوء فهم المساهمة الجليلة التي تقدمها هذه الإدارة في السلام العالمي:

"قد يصعب علينا جدا الاستماع إلى تساؤلات الدول الأعضاء أو الأفراد حول مزايا الأمم المتحدة، (مثلا، ما هو عملها حقا؟ وما الذي يقومون به، وهم يجلسون في غرف اجتماعات، إلخ) خصوصا وأنك تدري أن لديك أناس يعملون بجد في الميدان ليجمعوا بين الأطراف المتناحرة."

"أعتقد أن هناك بعض المخاوف من جانب بعض الدول الأعضاء والأفراد من أن تصرفاتنا يمكن أن تعتبر تدخلا في الشؤون الداخلية، وهذا ليس ما نحاول القيام به على الإطلاق. ففي المقام الأول، نحن نذهب فقط عندما تتم دعوتنا، وحين يتطلع الناس إلينا للمساعدة. نحن نقدم مساعدتنا، لكننا لا نفرض أنفسنا عليهم ".

بالإضافة إلى المفاهيم الخاطئة التي قد يحملها البعض  عن عمل إدارتها، فإن السيدة ديكارلو تقلق أيضا من أن الإجماع حول ذات المبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة، ليس بنفس القوة التي كانت عليها في الأوقات السابقة:

"أعتقد أن هناك شعورا بأن ما حقق نجاحا من قبل، لم يعد فعالا الآن. ربما كان هناك دائما اختلاف في وجهات النظر، لكنه لم يظهر أبدا بالطريقة التي يبدو عليها اليوم. وكما يقول الأمين العام، لقد انتقلنا من العالم ثنائي الأقطاب إلى عالم القطب الواحد، ثم إلى عالم متعدد الأقطاب، مما يجعل الأمور مختلفة تماما، وأكثر تعقيدا ".

على الرغم من هذه المخاوف، تؤكد المسؤولة السياسية الأبرز في الأمم المتحدة على أنها مصممة على أن تترك، بحلول نهاية ولايتها، إدارة سياسية في الأمم المتحدة تمتلك كل الأدوات اللازمة للتعامل مع منع نشوب الصراعات وحلها. وتؤكد السيدة ديكاردو أن لدى إدارتها دعم حقيقي لتلك الأفكار التي طرحها الأمين العام بشأن مسألة منع نشوب الصراعات، ولكن أيضا في جانب منع تغير المناخ.

وتقول وكيلة الأمين العام لشؤون السياسية إن "الجمعية العامة قد تبنت بالفعل مفهوم الحفاظ على السلام والنظر إلى العالم من خلال رؤية الوقاية، وأعتقد أنه يتعين علينا القيام بذلك في جميع أنشطتنا، ليس فقط في إدارتي، بل عبر كل إدارات الأمم المتحدة ".

 

من هي روزماري ديكارلو؟

UN Photo/Loey Felipe
أرشيف: روزماري ديكارلو وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية تتحدث أمام مجلس الأمن الدولي. 22 أغسطس/آب 2018. 

عينت  المواطنة الأمريكية روزماري أ. ديكارلو وكيلة للأمين العام للشؤون السياسية في أيار/مايو 2018. وفي هذا الموقع، تقدم المشورة إلى الأمين العام بشأن قضايا السلام والأمن على الصعيد العالمي بينما تشرف على مبادرات "المساعي الحميدة" والعمل الميداني للبعثات السياسية الأممية، القائمة على تنفيذ أنشطة صنع السلام والدبلوماسية الوقائية وبناء السلام في أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط ووسط وجنوب شرق آسيا والأمريكتين. كما تشرف السيدة ديكارلو على المساعدات الانتخابية التي تقدمها الأمم المتحدة لعشرات الدول الأعضاء كل عام.

خلال حياتها المهنية المتميزة في وزارة الخارجية الأمريكية، عملت السيدة ديكارلو، من بين وظائف أخرى، كنائبة للمندوب الدائم لدى الأمم المتحدة، سفيرة فوق العادة ومفوضة لبلادها.

عملت السيدة ديكارلو أيضا كرئيسة للجنة الوطنية للسياسة الخارجية الأمريكية من 2015 إلى 2018، وعينت في الوقت نفسه زميلة ومحاضرة في معهد جاكسون للشؤون العالمية بجامعة ييل.

تخرجت السيدة ديكارلو من جامعة براون وحصلت على درجة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الأدب المقارن، وكذلك اللغات السلافية والأدب. تتحدث السيدة ديكارلو إلى جانب اللغة الإنجليزية، الفرنسية والروسية.

 

♦ تحميل تطبيق أخبار الأمم المتحدة بالعربية من متجر آبل لأجهزة الأيفون والآيباد IOS أو من متجر غوغل لأجهزة أندرويد Android . 

 الاشتراك في إشعارات البريد الإلكتروني.