إمام من كرايست تشيرتش يتصدى لخطاب الكراهية والتعصب

21 حزيران/يونيه 2019

كان الخامس عشر من مارس/آذار في كرايست تشيرتش في نيوزيلندا مثل أي يوم جمعة آخر في المدينة الهادئة الآمنة، وفي دقائق تغير كل شيء عندما دخل مسلح مسجدي النور ولينوود واحدا بعد الآخر مستهدفا المصلين ليقتل منهم العشرات.

الإمام إبراهيم عبد الحليم كان في مسجد لينوود يؤم المصلين أثناء صلاة الجمعة، سمع أصوات الطلقات النارية في الركعة الأولى من الصلاة ومع ذلك لم يتخيل أن هجوما يستهدف مسجده، ما دار بعد ذلك كان بالنسبة له كابوسا طويلا. إلا أنه رأى جليا، ما كان يعرفه دوما عن النيوزيلنديين من تضامن ووحدة في وجه الكراهية والإرهاب.

وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اختار الإمام إبراهيم عبد الحليم والجالية المسلمة في نيوزيلندا مواجهة التعصب والكراهية بالتضامن والسخاء والترحاب.

 وفي العشرين من يونيه/حزيران، استقبل غوتيريش الإمام إبراهيم، وهو من أصل مصري، في مقر الأمم المتحدة. وفي تغريدة على موقع تويتر، أعرب غوتيريش عن دعمه لجهود الجالية المسلمة في نيوزيلندا لمكافحة خطاب الكراهية.

حصل الإمام إبراهيم على جائزة الوحدة بين أتباع الأديان من مركز "آن فرانك" للاحترام المتبادل، بالشراكة مع حاخام كنيس شجرة الحياة في مدينة بيتسبرغ الأميركية جيفري مايرز، والقس إريك مانينغ وهو قسيس كنيسة إيمانويل في مدينة تشارلستون. وقد تعرض المعبد اليهودي والكنيسة لهجومين أديا إلى مقتل وإصابة عدد من المصلين.

قبل اجتماعه مع الأمين العام، التقت أخبار الأمم المتحدة بالإمام إبراهيم حيث استرجع معنا الذكريات الأليمة لليوم الذي تعرض فيه مسجده للهجوم، وتحدث عن التضامن الذي أبداه بقية النيوزيلنديين على مستوى الشعب والقيادة مع الجالية المسلمة، وجهوده للتصدي للكراهية والتعصب.

الإمام إبراهيم عبد الحليم: تأتي زيارتي للأمم المتحدة بعد الأحداث المؤلمة التي وقعت في مدينة كرايست تشيرتش، بعد الهجوم الغادر على مسجدي النور ولينوود الذي كنت أتشرف بإمامة المسلمين فيه كعادتي كل يوم جمعة. جئت لأتحدث عن كيفية تعاون كل الجهات على المستويين الرسمي والعام لوقف نزيف الدم والتصدي لعدم تقبل وفهم الآخر. هذا أمر مهم للغاية، لأن العالم في محك كبير، ويجب أن تتضافر كل الجهود ليعم السلام والخير على كل الإنسانية. حتى نيوزيلندا، هذا البلد البعيد عن معظم بقية دول العالم، الذي كنا ننعم فيه حتى الخامس عشر من مارس/آذار 2019 بالأمن والأمان، وصل لنا هذا الإحساس المر. وبالتالي على العالم أن ينتبه بشدة لوقف هذا النزيف. الأمر الآخر المهم هو ضرورة وضع فهم حقيقي لكلمة الإرهاب لأنها أصبحت كلمة مطاطة تردد في كل المواقف.

أخبار الأمم المتحدة: من وجهة نظرك ما التعريف المحدد للإرهاب؟

الإمام إبراهيم عبد الحليم: التعريف المحدد للإرهاب بالمفهوم الإسلامي الذي يخدم كل الإنسانية، وقد أعطيت محاضرات كثيرة في نيوزيلندا في الجامعات والمساجد عن ذلك، هو كل ما يؤذي أي إنسان بأي شكل أو طريقة، حتى الحديث غير المهذب بصوت عال هو نوع من أنواع الإرهاب، عندما أمشي في الطريق وأسبب ضررا أو أذى، فهذا نوع من أنواع الإرهاب.

أخبار الأمم المتحدة: الأمين العام للأمم المتحدة أطلق استراتيجية للتصدي لخطاب الكراهية، هل لديك أنشطة مشتركة، وخاصة مع الأمم المتحدة في هذا المجال؟

الإمام إبراهيم عبد الحليم: نعم، منذ أن وصلت إلى نيوزيلندا ألقيت أكثر من 1300 خطبة جمعة بالإضافة إلى المحاضرات في الجامعة حيث أدرّس في جامعة كانتربيري ودائما أكرر أن شيئا يجب ألا يؤثر سلبا على العلاقات بيننا بسبب اختلاف اللغة أو الدين أو العقيدة، لأننا جميعا بشر نحتاج لبعضنا البعض لنتعايش معا في ود واحترام وأمان.

أخبار الأمم المتحدة: هل يمكن أن تصف لنا الدقائق التي سبقت الهجوم على مسجدك في كرايست تشيرتش؟

الإمام إبراهيم عبد الحليم: هذا حدث مؤلم واسترجاعه يزيد الألم، لكن نحمد الله على كل شيء ونقول قدر الله فما شاء فعل. الحادث جاء مباغتا جدا. كان يوما مثل أي يوم جمعة آخر يبدأ بالود والوئام، يتوجه الناس إلى المساجد كالمعتاد. في هذا اليوم ذهبت إلى مسجد لينوود كالعادة وألقيت خطبة الجمعة ونزلت من على المنبر وبدأت الصلاة. أثناء الركعة الأولى، سمعنا صوت طلقات نار. لم يكن لأحد في كرايست تشيرتش أو نيوزيلندا أن يتخيل أن هذه طلقات نار. كان هناك اثنان من الإخوة، رحمة الله عليهما، متأخرين على الصلاة وكانا يهرولان للحاق بنا في الصلاة فجاء هذا الرجل خلفهما وأطلق عليهما الرصاص فكانا أول الضحايا. بعد ذلك دخل المسجد، وبالطبع لم أكمل الصلاة وانبطح الجميع على الأرض. كانت زوجتي مع النساء في الخلف، وكان ابني الصغير في الصف الثالث. زوجتي أصيبت بطلق ناري، مر عبر ذراعها الأيمن إلى الأخت ليندا، رحمة الله عليها، وهي نيوزيلندية أسلمت قبل عدة سنوات وكانت نشيطة جدا ومتعاونة للغاية.

أخبار الأمم المتحدة: ما الذي مر بذهنك في ذلك الوقت؟

الإمام إبراهيم عبد الحليم: كل ما دار ذهني هو أنه كما لو كان حلما أو كابوسا. لم يستطع عقلي أن يتقبل أن ما نشهده هو هجوم على مسجد، وخاصة أننا لم نسمع في ذلك الوقت عما حدث في مسجد النور الذي يبعد عنا نحو 20 دقيقة. عرفنا ما حدث في المسجد الآخر بعد أن جاءت الشرطة إلينا.

أخبار الأمم المتحدة: تحدثت عن رد الفعل في نيوزيلندا على المستوى الشعبي ومستوى القادة، الذي قال الكثيرون إنه كان مثالا يحتذى به، كيف تغيرت العلاقة بين الجالية المسلمة وبقية المجتمع بعد ذلك الهجوم؟

الإمام إبراهيم عبد الحليم: أود من مقر الأمم المتحدة أن أسجل كل الشكر والعرفان لرئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن لأنها أثبتت أنها سيدة موقف بحق، على الرغم من صغر سنها، كانت سيدة موقف وقراراتها حكيمة ووقفت إلى جانب المسلمين وقفة جيدة جدا. لم تبخل بوقت أو مجهود أو قرارات. هذا الحادث أظهر بشكل جلي وواضح مدى شجاعة وحكمة هذه المرأة صغيرة السن وقوية وكبيرة العقل.

أخبار الأمم المتحدة: سأسالك سؤالا قد يكون بعيدا قليلا عن موضوعنا وإن كان مرتبطا به، ما تعليقك إذن على من يقولون إن المرأة لا يصح أن تتولى رئاسة الدول والحكومات؟

الإمام إبراهيم عبد الحليم: هذا خطأ فادح، وفهم خاطئ لمفهوم الإنسانية والدين. ليس هناك فرق بين المرأة والرجل إلا بالعمل والإنتاج وهذا ما يقوله ديننا. كل الآيات القرآنية تتحدث عن الرجل والمرأة معا، في الأجر والثواب والعقاب الكل سواسية أمام الله. أرجو أن يتغير هذا الفهم الخاطئ. الإنسان بقيمته في عمله وإنتاجه، وليس بنوعه كذكر أو أنثى.

أخبار الأمم المتحدة: نعود إلى العلاقة بين الجالية المسلمة وبقية النيوزيلنديين، ما الذي اكتسبتموه وما الذي ستحاولون البناء عليه؟

الإمام إبراهيم عبد الحليم: بعد الأحداث زادت العلاقة قوة بشكل جيد جدا. عندما يقابل أي أحد في المواصلات العامة أو المجمعات التجارية مسلما فيبادر بإلقاء تحية السلام عليكم والابتسام في وجهه. هذا شيء طيب وجميل، وهذا ما ناديت به دائما وسأظل أنادي به. العلاقة بين البشر هي صلب أي دين، أما ممارسة الأديان فهذا حق مكفول لكل إنسان. أنتِ كإنسانة لك حق عليّ، أن أتعامل معك بكل احترام وحب وخير، بغض النظر عن الدين والمعتقد. لو وضعنا هذا الأساس لن يكون هناك خلاف بين البشر وبعضهم البعض.

أخبار الأمم المتحدة: تحدثت عن أنشطتك في نيوزيلندا، ما النشاط الذي تود إلقاء الضوء عليه مما لم تذكره لنا؟

الإمام إبراهيم عبد الحليم: الحقيقة نشاطي مع الشباب في كل مكان في العالم، لأنني أرى أن الشباب هم المستقبل لكل البلدان والأديان. عندما حصل الهجوم في 15 مارس، وجاءت أفواج كثيرة من أستراليا وماليزيا وأماكن مختلفة للمساعدة استبشرت خيرا لأن 90% ممن جاءوا للمساعدة كانوا شبابا وكانوا في غاية التنظيم والاحترام والحب. هذه هي الرسالة التي أود توصيلها، ضرورة الاهتمام بتوعية الشباب لأنهم عصب أي دولة واقتصاد وتقدم. الشباب الآن مغيب كثيرا ومهمش كثيرا، وبالتالي يحتاج من كل الجهات وعلى رأسهم الأمم المتحدة عمل برامج توعية وتثقيف ودعم لأنهم سيكونون حجر الزاوية لأي مستقبل نتحدث عنه.

♦ تحميل تطبيق أخبار الأمم المتحدة بالعربية من متجر آبل لأجهزة الأيفون والآيباد IOS أو من متجر غوغل لأجهزة أندرويد Android .  

♦  الاشتراك في إشعارات البريد الإلكتروني.