17 آب/أغسطس 2018

في الـ 19 أغسطس / آب 2003، قاد مهاجم انتحاري شاحنة مليئة بالمتفجرات إلى مقر الأمم المتحدة في العاصمة العراقية  بغداد وفجرها، مما أسفر عن مقتل 22 شخصا، من بينهم سيرجيو فييرا دي ميلو، الممثل الخاص للأمين العام في العراق آنذاك.

كما أسفر الهجوم على مبنى فندق القناة عن إصابة أكثر من 150 شخصا، معظمهم من عمال الإغاثة الذين جاءوا إلى العراق للمساعدة في إعادة إعمار البلاد في أعقاب الإطاحة بصدام حسين.

كان الهجوم واحدا من أكثر الهجمات فتكا في تاريخ الأمم المتحدة، وكان بمثابة نقطة تحول في كيفية عمل الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة في الميدان. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها استهداف منظمة إنسانية دولية محايدة بشكل متعمد بهذه الطريقة.

أحيا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذكرى السنوية للموظفين الذين فقدوا أرواحهم قبل 15 سنة فيما وصفه بأنه "أحد أحلك الأيام في تاريخنا".

وقبل هذه الذكرى، تحدثت أخبار الأمم المتحدة مع بعض الناجين من الحادث، الذين سلطوا الضوءعلى ما حدث في ذلك اليوم، وكيف أثر ذلك الحادث عليهم، ولا يزال، وعلى مجتمع الأمم المتحدة بأكمله.

وتكريما للضحايا، خلدت الأمم المتحدة ذكراهم بإعلان يوم الـ 19 من آب / أغسطس ليكون اليوم العالمي للعمل الإنساني للدعوة إلى ضمان سلامة العاملين في مجال المساعدة الإنسانية وأمنهم.

ومنذ تأسيس الأمم المتحدة، لقي أكثر من 3500 فرد من الرجال والنساء الشجعان حتفهم في خدمة الأشد احتياجا وضعفا حول العالم.

وأصبحت الأمم المتحدة هدفا بحد ذاتها؛ وتعرضت مبانيها لهجمات منها في بغداد عام 2003 وفي الجزائر عام 2007 وفي كابول في عام 2009.

التفاصيل في تقرير أعده مصطفى الجمل.

 

عصام الخانجي

"فجأة أصبح كل شيء أسود وحل الظلام.. تحول النهار إلى ليل.. وتساقطت قطع حديد ساخنة من السماء.. تباطأت الحركة، تماما مثلما يحدث في الأفلام السينمائية، بالتصوير البطيء."

هكذا استرجع عصام الخانچي ذكريات يوم الـ 19 من آب / أغسطس عام 2003، اليوم الذي تم فيه استهداف مبنى الأمم المتحدة في بغداد بسيارة مفخخة، مما أدى إلى مقتل 22 شخصا على الأقل.

بدأ عصام عمله مع الأمم المتحدة في العراق عام 1999، أولا في قطاع الأمن، ثم انتقل بعد ذلك إلى مكتب المنسق الإنساني في العراق.

فجأة أصبح كل شيء أسود وحل الظلام.. تحول النهار إلى ليل.. وتساقطت قطع حديد ساخنة من السماء.. تباطأت الحركة، تماما مثلما يحدث في الأفلام السينمائية، بالتصوير البطيء.

كان ذلك اليوم يوما حارا من أيام صيف بغداد، بدا وكأنه يوم عادي. إلّا أنه لم يكن كذلك بالنسبة لعصام وزملائه في الأمم المتحدة.

"في فترة الصيف كان انقطاع الكهرباء متكرر في بغداد، فكنت أفضل البقاء في فندق القناة (مقر مكتب الأمم المتحدة) حتى الخامسة والنصف أو السادسة مساء. ولكن في هذا اليوم، 19 آب/أغسطس، لا أعرف السبب الذي دعاني إلى مغادرة عملي في الوقت المحدد في الرابعة والنصف بعد الظهر. عند توجهي إلى بوابة المبنى، تحول النهار فجأة إلى ليل. كنت على بعد نحو 20 مترا من الانفجار. ومن شدة الصوت فقدت سمعي لبعض الوقت. رأيت البوابة الحديد التي نمر عبرها كل يوم إلى المبنى تطير في الهواء، وكان عقلي لا يصدق ما تراه عيناي. بعد ذلك سمعت صراخ زملائي، ممن كانوا في مكتب الأمن. قلت لأصدقائي فيما بعد إنني كنت أسمع صراخ زميلي رافي بالتحديد، فقالوا لي إنه كان يقف مباشرة وراء الزجاج الذي تناثرت أجزاؤه واستقرت في جسمه وعينيه."

هيثم عجام

تنبيه! هذه المقابلة تحتوي على مواقف قد تكون مؤلمة للبعض.

هيثم عجام/الأمم المتحدة

لا يزال هيثم عجام موظف الأمم المتحدة في العراق يستذكر أحداث الـ 19 آب/أغسطس 2003 وكأنها وقعت بالأمس القريب. ويزداد وقع الألم على نفسه كل عام، مع مرور ذكرى الهجوم الإرهابي على مقر الأمم المتحدة في بغداد.  "كان منظرا رهيبا لن أنساه طوال حياتي. عندما تحل الذكرى السنوية، وتصلني رسائل مواساة أتذكرها وكأنها حدثت البارحة. ما زالت ردة فعلي هي نفسها، نفس الإحساس، نفس الشعور، نفس المناظر التي رأيتها."

هيثم كان من بين عشرات الموظفين الأمميين المتواجدين في فندق القناة في بغداد لحظة الهجوم. ومن حسن حظه كان على بعد نحو 80 مترا، فنجا من الانفجار. "في هذه الأثناء شعرت بحرارة عالية جدا، وكأنما اختفى الهواء من المكان. وكرد فعل نظرت من النافذة ورأيت وكأنما أنابيب من التراب تخرج من نوافذ الطوابق الأخرى. استغربت لأنني لم أسمع صوت انفجار أو أي شيء. لم أسمع أي صوت نهائيا، فقط شعرت بحرارة عالية. ثم بدأت الأشياء في التناثر من أماكنها، بدأ الزجاج يتساقط والأسقف الحديدية بدأت تنهار."

قبيل الهجوم، كان زميل هيثم ترك بصحبته ابنه الصبي لحين انتهائه من العمل. وعندما وقع الانفجار كان شاغله الأول أن يأخذ الصبي إلى مكان آمن. ولكن وفي طريقه إلى الملجأ التقى زميله رافي. هل تذكرون رافي من الحوار السابق؟ "استغربت جدا ولم أصدق ما حدث. تساءلت هل حدث انفجار أم دخل إرهابيون إلى المكان. لم أكن أدري ما الذي يدور في هذه اللحظة. أخذت الطفل وركضت إلى الملجأ وقلت له ’انتظرني هنا بينما أبحث عن والدك.‘ خرجت ورأيت بعض الأصدقاء. رأيت رافي والدماء تتساقط من وجهه وبصحبة أشخاص يساعدونه على التوجه إلى الوحدة الطبية. كان شبه مذبوح، رأيت رقبته مضروبة مجروحة جدا....ذهبت مرة أخرى إلى المكان الذي كان أصدقائي متواجدين به قبل الانفجار، ووجدت أن السقف قد انهار فوقهم. رأيت زميلي أنطوان تحت الركام، لا يبدو من جسمه سوى وجهه، وينظر إليّ بعينيه طلبا للمساعدة، فأخرجته من تحت الأنقاض. ثم رأيت صديقا آخر مدفونا في التراب لا يتحرك. وأنا أركض في الخارج، قابلت صديقا لنا يدعى مجاهد يجري ويحمل عينه في يده... أشعر بها وكأنها لحظات ولكنها استمرت لوقت طويل حتى جاءت عمليات الإنقاذ."

ومن شدة وهول التفجير أصيب مستشفى كان بالقرب من مقر الأمم المتحدة وانهار على من كان فيه من المرضي والمصابين. "بجوار مكتب الأمم المتحدة كان هناك مستشفى للمصابين من الحرب العراقية الإيرانية، رأيت سقف الطابق منهارا عليهم ولم يخرجهم أحد من تحت الأنقاض. كان يصرخون ولم يخرجهم أحد، حتى ماتوا."

في هذه الأثناء شعرت بحرارة عالية جدا، وكأنما اختفى الهواء من المكان. وكرد فعل نظرت من النافذة ورأيت وكأنما أنابيب من التراب تخرج من نوافذ الطوابق الأخرى. 

 

وبحكم عمله في قسم النقل، كان هيثم دائما بالقرب من الممثل الخاص للأمين العام في العراق سيرجيو فييرا دي ميللو، الذي فقد حياته في الهجوم الإرهابي بجانب ما لا يقل عن عشرين آخرين من زملائه في العمل الإنساني. وقال هيثم مستعيدا بعض الذكريات التي جمعته مع الراحل.

"السيد سيرجيو، رحمه الله، كان إنسانا رائعا. عندما كان يمارس الرياضة معنا كان يقول مازحا ’أنتم العراقيون لستم معتادين على الرياضة. العبوا! تحركوا!‘ كان رجلا في غاية الإنسانية. في أحد الأيام قال ’أريد أن نأكل ونشرب عصيرا معا،‘ ولكن كانت المطاعم كلها مغلقة في هذا الوقت، وكان في حي المنصور محل للعصائر يدعى مشمشمة. ذهبنا إلى هناك بسيارتين. عندما وصلنا، ارتجل من السيارة وبدأ يتمشى مع الناس وقال ’أريد أن أختلط بالناس.‘ أحد حراس الأمن رأى شخصا يحمل مسدسا فقال لسيرجيو محذرا ’انتبه، هذا المكان خطر، وهذا الشخص يحمل مسدسا.‘ فرد سيرجيو ’لا، هذا رد فعل طبيعي، الناس فقط تريد أن تحمي نفسها في ظل غياب الشرطة.‘ وكان يمشي بين الناس ويشرب العصير مبتسما. كان إنسانا ذا نية صادقة."

وإلى اليوم، يستمر هيثم وزملاؤه، وغيرهم الكثير، في عملهم بالأمم المتحدة، إيمانا منهم بقيمة العمل الإنساني وخدمة الأشد ضعفا حول العالم.

رسالة الأمين العام أنطونيو غوتيريش في الذكرى الخامسة عشرة

 

وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الهجوم الإرهابي على مقر الأمم المتحدة في بغداد عام 2003، بأنه كان أحد"أحلك الأيام في تاريخ المنظمة".

وفي رسالة مصورة قبيل أيام من الذكرى السنوية الخامسة عشرة للهجوم الإرهابي على مقر الأمم المتحدة في العراق، أشاد غوتيريش بمن فقدوا أرواحهم في خدمة السلام والتنمية وحقوق الإنسان.

وكان هجوم إرهابي قد استهدف في 19 آب / أغسطس 2003 مقر المنظمة في فندق القناة ببغداد مما أدى إلى مقتل 22 شخصا وإصابة كثيرين آخرين بجروح.

وخص الأمين العام بالذكر البرازيلي سيرجيو فييرا دي ميللو، الممثل الخاص للأمين العام في العراق في ذلك الوقت، الذي فقد حياته في الهجوم.

"كنت التقيت بسيرجيو مرات عديدة، وبصفتي رئيس وزراء البرتغال آنذاك، كنت أتابع عن كثب عمله الممتاز في تيمور الشرقية. وكنت دائما منبهرا بالطريقة التي كان يجسد بها قيم الأمم المتحدة وروح خدمتنا."

وأكد الأمين العام، في الرسالة، مواصلة العمل على خطى الضحايا تكريما لذكراهم، قائلا "سوف نمضي قدما بمشعل ذكراهم ونحن نسعى جاهدين لحل النزاعات المسلحة ومنع نشوبها، وبناء عالم مزدهر ينعم فيه الجميع بالسلام."

من أرشيف أخبار الأمم المتحدة

UN Photo/Mark Garten
موظفو الأمم المتحدة في وقفة حداد أمام الأمانة العامة في نيويورك تعبيرا عن حزنهم إزاء قصف مقر الأمم المتحدة في بغداد في 19 آب / أغسطس.(26 أغسطس 2003)

 

إنفجار ضخم يهز مبنى الأمم المتحدة في بغداد وأصابة الممثل الخاص للأمين 

موظفو الأمم المتحدة حول العالم يقومون بمسيرات صامتة لإحياء ذكرى الذين قتلوا في بغداد 

شاهد عيان يروي ما حدث في مقر الأمم المتحدة في بغداد 

سيرجيو فييرا دي ميلو يبدأ رحلته النهائية عائدا لبلاده 

♦ تحميل تطبيق أخبار الأمم المتحدة بالعربية من متجر آبل لأجهزة الأيفون والآيباد IOS أو من متجر غوغل لأجهزة أندرويد Android . 

 الاشتراك في إشعارات البريد الإلكتروني.