مسؤول أممي: أهل غزة لا يستطيعون فهم صمت المجتمع الدولي

26 تموز/يوليه 2018

لا يستطيع سكان غزة أن يفهموا صمت المجتمع الدولي بشأن المعاناة التي يواجهونها. هذا بحسب منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة جيمي ماكغولدريك.

السيد ماكغولدريك روى لأخبار الأمم المتحدة الصعوبات التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة، حيث عانت – ولا تزال تعاني – المجتمعات المحلية من الحصار الإسرائيلي لأكثر من 10 سنوات.

وبعد أن تزايدت حدة التوترات في الأسابيع الأخيرة بين إسرائيل والقطاع الذي تسيطر عليه حركة حماس، حيث سجلت الوفيات على كلا الجانبين، خفت شبح الحرب الذي كان يلوح في الأفق وكأنه على بعد لحظات معدودة.

دانيال ديكنسون من أخبار الأمم المتحدة التقى السيد ماكغولدريك، أثناء وجوده في نيويورك لحضور جلسة مجلس الأمن حول الوضع في الشرق الأوسط.

بدأ ماكغولدريك بالحديث عما شهده خلال زيارته الأخيرة لقطاع غزة الأسبوع الماضي.

جيمي ماكغولدريك: ذهبت إلى هناك لأرى كم القيود المتزايدة التي يتم تطبيقها. كما تعلم، نقطة العبور الرئيسية التي نستخدمها في المساعدات الإنسانية والحركة التجارية هي كرم أبو سالم. وبسبب المواد الحارقة التي تقذف باتجاه الأراضي الإسرائيلية، فرضت قيود أخرى على استخدام هذا المعبر. لذا فإن التأثير الأول كان على هذه المنطقة المهمة بالنسبة لنا لنقل البضائع. وحالت زيادة القيود دون دخول المساعدات الإنسانية والوقود وغيرهما من إمدادات. الوقود قضية كبيرة الآن في غزة. نحن نستخدم إمدادات الأمم المتحدة للوقود الطارئ لتشغيل أكثر من 220 مؤسسة، ما بين المرافق الصحية ومحطات الصرف الصحي وإدارة النفايات الصلبة. والأهم من ذلك أن 60% من هذا الوقود يذهب إلى المستشفيات والعيادات.

الناس في غزة لا يفهمون حقا سبب معاملتهم بهذه الطريقة، وسبب صمت المجتمع الدولي بشأن العديد من الأمور الحالية.

أخبار الأمم المتحدة: وكيف يؤثر نقص الوقود هذا على الحياة اليومية؟

جيمي ماكغولدريك: أود أن أقول إن بعض المستشفيات ستوقف عملياتها هذا الأسبوع إذا لم تحصل على وقود. ولكن لحسن الحظ كان هناك انفراج في القيود المفروضة على معبر كرم أبو سالم مما سمح بمرور بعض الوقود، ولا ندرك تماما كمية هذا الوقود مقارنة بما نحتاجه. نقدر أن لدينا ما يكفي من الوقود حتى الـ 10 أغسطس. ولكن بسبب الضغط المتزايد على المستشفيات والعيادات، وبسبب المظاهرات والعنف والإصابات، تعمل هذه المستشفيات على مدار الساعة لأن مستويات العلاج والأعداد التي نتعامل معها هائلة، ولا يمكن قطع إمداد الوقود. وبدلا من استخدام الطاقة الاحتياطية، كمصدر رئيسي للوقود، نحتاج إلى أعمال صيانة وقطع غيار.

UNSCO
منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة جيمي ماكغولدريك، الثاني من اليسار، أثناء زيارة معبر كرم أبو سالم.

أخبار الأمم المتحدة: قضيت الكثير من الوقت في غزة. هل يمكن أن تعطينا فكرة عن الحالة المعنوية للأشخاص الذين يعيشون هناك؟ لا بد أنهم يتمتعون بقدر لا يصدق من الصمود.

جيمي ماكغولدريك: نعم، هم على قدر كبير من الصمود، وكانوا كذلك دائما بشكل عام. أحد عشر عاما يرضخون تحت قيود الحصار. بعض الناس لم يغادروا غزة طوال هذه الفترة. بعضهم لم يخرج من القطاع طيلة حياته. إن القطاع يمتد لمسافة 42 كيلومترا فقط، وهي منطقة مغلقة للغاية. لقد تم تخفيض الشحن ومنطقة الصيد إلى ثلاثة أميال، وهي عادة 20 ميلا في إطار عملية أوسلو للسلام. إلّا أن المسافة المسموح لهم بتجاوزها لم تتخط أبدا 12 ميلا. ولذلك فالناس لديهم إحساس بأن كل شيء يقيد الطريقة التي يريدون أن يعيشوا بها حياتهم. منتجاتهم الزراعية لا تتحرك بسهولة والواردات صعبة للغاية. ويرجع ذلك إلى القيود المفروضة، لكنني أعتقد أن الأهم من ذلك هو الافتقار إلى القوة الشرائية. فقبل أربعة أو خمسة أشهر، كانت هناك عشرة آلاف شاحنة شهريا تأتي عبر المعابر، والآن انخفض هذا العدد إلى ستة آلاف. وهذا مدفوع بالطلب لأن الناس لا يملكون المال. 60% من السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما ليس لديهم عمل. والآن مع أزمة الأونروا، وما تنطوي عليه من إلغاء الوظائف والخدمات ليس لدى الناس القدرة على تحمل الأمر أكثر من ذلك. ولهذا جاءت هذه المظاهرات وما يصحبها من عنف، ولم يوقف عدد الأشخاص الذين قُتلوا وجرحوا المظاهرات. إنه إحباط الأفراد الذين لا يستطيعون التحمل بعد الآن، الذين يريدون أن يظهروا للعالم أن هذا المكان لا يطاق.

المدارس لن تفتح على الأرجح كما هو متوقع في نهاية أغسطس/آب.

أخبار الأمم المتحدة: لقد قضيت الليلة في غزة خلال زيارتك. كيف تصف الروح المعنوية للناس هناك؟ ما الذي أخبروك به؟

جيمي ماكغولدريك: أعتقد أن الناس في غزة لا يفهمون حقا سبب معاملتهم بهذه الطريقة، سبب صمت المجتمع الدولي بشأن العديد من الأشياء الحالية. وأعتقد أيضا أن تقليص تمويل وكالة الأونروا، التي تقدم الدعم لمليون لاجئ في غزة مثل التعليم والخدمات الصحية. المدارس لن تفتح على الأرجح كما هو متوقع في نهاية أغسطس. كل ذلك يضيف ضغوطا لا لزوم لها إلى حالة يائسة جدا. أعتقد أن القطاع الصحي يشير بوضوح إلى المشكلة في غزة، حيث يفتقر إلى الموارد والتمويل لأكثر من 10 سنوات.

أخبار الأمم المتحدة: أنت تصف وضعا يائسا للغاية. لكن هذا هو الوضع الذي واجهه سكان غزة من قبل. ما الذي يختلف الآن؟

جيمي ماكغولدريك: ما واجهه سكان غزة عام 2014 الذي شهد آخر حرب في القطاع، يختلف عن الوضع الحالي. هناك مزيد من الضغوط الأخرى. فالاقتصاد يتهاوى والرواتب لا تدفع والأونروا تختفي لعدم وجود التمويل اللازم لدعم عمليات الأمم المتحدة في غزة. كل ذلك يحدث بالإضافة إلى العنف الذي يتصاعد. أعتقد أن الاختلافات هذه المرة ليست جزءا من صراع ما لكن التأثير هو نفسه، وأعتقد أن الناس هناك يعتقدون أنهم يعانون بدون وجه حق وأن العالم لا يستمع إليهم، أعتقد أن هذا هو الفرق. كما نعرف جميعا حدث تغيير في النظام العالمي، وغزة وفلسطين لم تعد تحظى بمكان في قائمة اهتمامات المجتمع الدولي. والدليل على ذلك أيضا أننا تلقينا 23% فقط من التمويل المطلوب لخطة الاستجابة الإنسانية لهذا العام.

من الواضح أنها أزمة سياسية تحتاج إلى حل سياسي، وهو ما يقوم به المنسق الخاص (لعملية السلام في الشرق الأوسط) نيكولاي ملادينوف، لكننا لا نستطيع الانتظار حتى يحدث ذلك لأن الوضع الإنساني يتدهور بشكل كبير.

OCHA/مصطفى الحلبي
منسق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة جيمي ماكغولدريك يزور مريضا في مستشفى القدس في غزة.

سأخبرك بقصتين من شأنهما أن يلخصا الوضع. الأسبوع الماضي ذهبت إلى مستشفى في إسرائيل وآخر في غزة. هناك التقيت بفتيين، أحدهما يدعى نوح يبلغ من العمر 16 عاما، والآخر حمزة في الثامنة عشرة من عمره. أطلق عليهما النار خلال الأسابيع الماضية. أصيبا بطلق ناري في الرقبة وصل إلى الحبل الشوكي. كلاهما مصاب بالشلل الرباعي. عندما زرتهما في المستشفى، كان حمزة جالسا على السرير حينما انقطعت الكهرباء، وتوقف كل شيء عن العمل. وأثناء التحول إلى المولد، لم يكن باستطاعة حمزة التنفس بمفرده. كان لا بد أن يستخدم جهازا للتنفس ولكنه كان لا يعمل لانقطاع الكهرباء، لذا اضطروا إلى ضخ الهواء في صدره يدويا لإبقائه على قيد الحياة حتى يعمل المولد، كما اضطروا إلى سحب السوائل من حلقه ورئتيه لأنه كان مختنقا. وعلى الجانب الآخر نوح ذو الـ 16 عاما، كان يشاهد كأس العالم في ذلك الوقت وكان لديه آيباد وأعلام فريق برشلونة.

أخبار الأمم المتحدة: لقد دعوت السلطات الإسرائيلية إلى وضع حد للقيود المفروضة على الواردات والصادرات، هل أصغوا إليك؟

جيمي ماكغولدريك: من وجهة نظر إنسانية أعتقد أنهم يتفهمون الوضع الإنساني وأعتقد أنهم يحاولون بذل قصارى جهدهم، لكن هناك قوى سياسية لا تتبعهم. وأعتقد أن هذه هي المشكلة التي نواجهها، فغالبا ما تكون هناك أجندة أمنية تأخذ زمام المبادرة في صنع القرار. وكما تعرف فإن إسرائيل لديها مخاوف أمنية كبيرة ومشروعة حول موقع غزة في الجزء الجنوبي بالقرب من البلدات والقرى الإسرائيلية. ولكنني أعتقد أن تأثير الأجندة الأمنية على هذه التدابير التقييدية يزيد من تفاقم الوضع الكارثي بالفعل.

أخبار الأمم المتحدة: ما تقوله يعني أنك تتفهم ضرورة وضع القيود.  

جيمي ماكغولدريك: يجب أن تكون هناك قيود لأن هناك احتياجات أمنية، لكن يجب أن يكون هناك أيضا توازن بين الحاجة لمعالجة المخاوف الأمنية وأسباب الحياة الاقتصادية الأخرى للناس في غزة. لا يمكنك إبقاء هذا العدد من الناس – مليوني شخص – محبوسين في منطقة دون القدرة على المغادرة والصيد والاستيراد والتصدير والقيام بأعمال تجارية مع كل تلك القيود. وفي نفس الوقت، هناك بطالة ولا توجد خدمات صحية أينما نظرت من حولك. ليس هناك تعليم. ويتم إغلاق الخدمات الاجتماعية التي يحتاجها السكان، لأن الأونروا لا تحصل على التمويل الكافي لتقديم الخدمات المطلوبة. إنه وضع صعب للغاية. الانتحار بين الأطفال الصغار والشباب في تزايد طوال الوقت – وهذا أمر مهم للغاية – لأن الناس لا يرون مخرجا من هذا الوضع. وهذا ما يجعل الوضع بائسا للغاية. هذه هي حياة الناس هناك ولا يمكن لأحد الهروب منها.

♦ تحميل تطبيق أخبار الأمم المتحدة بالعربية من متجر آبل لأجهزة الأيفون والآيباد IOS أو من متجر غوغل لأجهزة أندرويد Android .  

♦  الاشتراك في إشعارات البريد الإلكتروني.