الثقة في النظام الدولي، الذكاء الاصطناعي، والدروس المستفادة من أزمة الروهينجا – حوار مع رئيس الجمعية العامة
تولى السيد خليل الرحمن رئاسة الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في الثامن من الشهر الحالي، في ظل ما وصفها بأزمة الثقة في المنظمة التي خدمها - بشكل أو بآخر - لمدة 35 عاما. تركز فترة رئاسته التي تمتد لعام على طموح واحد هو: استعادة الثقة.
أرجع خليل الرحمن، الذي يتولى أيضا منصب وزير خارجية بنغلاديش، أزمة الثقة إلى التفاؤل بتأسيس الأمم المتحدة عام 1945 والفجوة بين ما كانت تتوقعه الدول الأعضاء آنذاك وما حققته المنظمة منذ ذلك الحين.
مع بدء الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (18-28 أيلول/سبتمبر) - وهو الأسبوع الأكثر ازدحاما في جدول أعمال الأمم المتحدة، وأكبر تجمع لقادة العالم في مكان واحد على وجه الأرض - تحدث موقع أخبار الأمم المتحدة مع رئيس الجمعية العامة خليل الرحمن.
دار الحوار حول الشكل الذي سيبدو عليه "التحول المطلوب بشدة"، ولماذا يعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمثل اختبارا لم يسبق للأمم المتحدة أن واجهته من قبل، والدروس التي استفاد منها من عمله في أزمة الروهينجا والتي ستساعده في منصبه الجديد.
كما تحدث أيضا عن الانتقادات الموجههة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة مع "الجمود" الذي يشهده مجلس الأمن.
فيما يلي نص الحوار مع السيد خليل الرحمن رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين.
أخبار الأمم المتحدة: بدأ أسبوع الاجتماعات رفيعة المستوى. ما هي توقعاتك، وما الذي تأمل أن يتحقق منه؟
خليل الرحمن: يُعد أسبوع الاجتماعات رفيعة المستوى أقوى تجلّ لقوة الأمم المتحدة في الجمع بين الأطراف. إنها فرصة للاستماع مباشرة إلى من يحكمون مجتمعاتنا - كيف يرون العالم، ومناطقهم، وبلدانهم، وماذا يتوقعون من الأمم المتحدة.
أحد أهم الأمور التي أركز عليها بشدة هو استعادة الثقة في المنظمة. هذه أبرز قضية في رئاستي. لقد جعلتها محور اهتمامي، وأريد الاسترشاد بآرائهم في عملي في هذا المجال.
أخبار الأمم المتحدة: كيف تبدو استعادة الثقة عمليا، وكيف ستعرف أنك تحقق نجاحا في هذا المجال؟
خليل الرحمن: لنعد إلى عام 1945، وقت إنشاء هذه المنظمة. في يالطا في ذلك العام، اجتمع الرئيس روزفلت وستالين وتشرشل لمدة ثمانية أيام تقريبا. إلى جانب ترتيبات إنهاء الحرب، وضعوا تصورا لمنظمة عالمية هدفها الأساسي منع تكرار الصراعات التي شهدناها في الحربين العالميتين.
عندما تم إنشاء الأمم المتحدة رسميا في سان فرانسيسكو، وقفت الوفود تصفق بشكل حار وظلت واقفة لبعض الوقت. كان ذلك يرمز إلى التطلع إلى أن تتمكن الأمم المتحدة من تحقيق السلام.
ويسعدني أن أقول إننا خلال العقود الثمانية الماضية تجنبنا نشوب حرب عالمية واسعة النطاق. وقد خرجت دول لم تكن حاضرة آنذاك من براثن الاستعمار، وبنت ركيزة تنموية متينة داخل الأمم المتحدة.
لكن في الوقت نفسه، لم نتمكن من منع العديد من النزاعات، وكان التقدم في مجال التنمية بطيئا في كثير من الأحيان. علينا أن نبذل قصارى جهدنا لضمان عمل مجلس الأمن بشكل أكثر تماسكا، وأن يحقق ما هو متوقع منه.
تحمل كلتا الركيزتين توقعات كبيرة لم تتحقق، وهذا ما يولد الإحباط والشعور بأن الأمم المتحدة لا تقوم بما كان الناس يتوقعونه منها. وقد ساهم ذلك في تراجع الثقة.
أود أيضا أن أذكر حقوق الإنسان، ركيزتنا الثالثة (إلى جانب السلم والأمن، والتنمية) فنحن لا ننفق عليها سوى 4% من إجمالي إنفاقنا. لقد حققنا خطوات كبيرة، لكن لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به.
علينا أن نعمل بجد على جميع الركائز الثلاث لاستعادة الثقة التي كانت تتمتع بها المنظمة عند إنشائها. إنه تحدٍ كبير، وسيتطلب تضافر جهود جميع الدول الأعضاء والجهات المعنية.
أخبار الأمم المتحدة: قلت إننا لسنا في عام 1945، وإن العالم قد تجاوز هذه المرحلة. ما هو التغيير الملموس الذي تشير إليه؟
خليل الرحمن: الذكاء الاصطناعي. قد يكون محفزا هائلا للمساعي البشرية، ولكن إذا صدقنا التوقعات من بعض الشخصيات البارزة (في هذا المجال)، فقد يشكل أيضا مخاطر جسيمة على البشرية.
لا ينبغي لنا أن نفعل أي شيء لإبطاء الابتكار - بل يجب أن يستمر. ولكن من الضروري وضع ضوابط، بحيث يخدم هذا الابتكار البشرية بدلا من أن يكون ضدها.
هذه مهمة لا تقتصر على الحكومات فحسب، بل تشمل كل من يشارك عمليا في تطوير هذه التقنية واستخدامها. نحتاج إلى مشاركة جميع هذه الجهات في المناقشات والقرارات المقبلة، حتى نجد مسارا آمنا نحو ذكاء اصطناعي يخدم البشرية حقا.
أخبار الأمم المتحدة: تقول بعض الأصوات الناقدة إن قرارات الجمعية العامة تحمل وزنا معنويا لكنها تفتقر إلى القوة التنفيذية، وإن السلطة الحقيقية لا تزال في يد مجلس الأمن المتعثر بسبب الخلافات بين أعضائه. ما تعليقك على ذلك؟
خليل الرحمن: لو كانت الجمعية العامة عديمة الجدوى، لما كان هناك أسبوع رفيع المستوى، ولما حضر رؤساء الدول. هذا يدل على أهمية الجمعية العامة للأمم المتحدة. ما أراه هو قدرتها الهائلة على الجمع بين أعضاء هيئة تمثل العالم بأسره - لا يوجد مكان آخر يضاهيها.
لا تمارس الدبلوماسية دائما في العلن. تمنح الجمعية العامة رؤساء الدول والحكومات بيئة آمنة لمناقشة القضايا الجادة معا وإيجاد سبل لحلها. كما أنها وسيلة موثوقة للاستماع مباشرة إلى من يحكمون مجتمعاتنا.
أعتقد أن الجمعية العامة ستواصل لعب دور مهم في وضع المعايير وتوجيه عمل المجتمع الدولي بشكل عام.
أخبار الأمم المتحدة: لقد عملتَ مباشرة على أزمة الروهينجا، ما الدروس التي ستحملها معك إلى رئاسة الجمعية العامة؟
خليل الرحمن: إنها أزمة إنسانية خطيرة - شعب يتعرض للهجوم، ومنازله تُقصف، وقراه تُحرق، ويُطرد من قبل أبناء وطنه. تُشق بطون الأمهات الحوامل وتُلقى الأجنة في النار.
لكنني رأيت أيضا صمودهم، وقدرتهم على البقاء، وتوقهم للعودة إلى ديارهم. عندما زار الأمين العام كوكس بازار (في بنغلاديش) العام الماضي، تجمع أكثر من 100 ألف لاجئ في إحدى أمسيات رمضان لتناول الإفطار معه، وكان كل منهم يحمل لافتة كُتب عليها: نريد العودة إلى ديارنا.
الدرس الذي أحمله هو أن العنف لن يحل أي مشكلة. لن يؤدي ذلك إلا إلى تأجيل الأمر وتفاقمه. لا سبيل لحل هذه القضايا إلا من خلال الحوار والتفاوض، والتكاتف.
لهذا السبب أرى قيمة كبيرة في الجمعية العامة - فهي مكان يجتمع فيه الناس على أعلى المستويات، في بيئة آمنة، للعمل على إيجاد أفضل السبل للمضي قدما.
أخبار الأمم المتحدة: إذا نظرنا إلى الأمام إلى آخر أيام ولايتك، ما الأثر الذي تتمنى أن تتركه؟
خليل الرحمن: هذا ما قلته لفريقي- لا أنظر إلى اليوم، بل أنظر إلى اليوم الذي أسلم فيه الرئاسة لخلفي. إذا استطعت مساعدة الدول الأعضاء على الاتفاق على الإصلاحات الضرورية للمنظمة وضمان استقرارها المالي، والاتفاق على تسريع وتيرة العمل على المستوى المحلي - إذا حققت أي تقدم في أي من هذه الأمور، فسأسلم الرئاسة بكل سرور لخلفي.