"السلام ليس خيارا، بل ضرورة": ضابط حفظ سلام تونسي يروي تجربته في أفريقيا الوسطى
في جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث لا تزال آثار النزاع تؤثر على حياة السكان، يشارك الرائد في الجيش التونسي، موفق العرقي ضمن بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام، مؤكدا أن حماية المدنيين وإعادة الأمل للناس تمثل جوهر المهمة التي يقوم بها مع زملائه في الميدان.
متحدثا لأخبار الأمم المتحدة، عبر الفيديو، من العاصمة بانغي، قال العرقي إن مشاركته في المهمة الأممية جاءت انطلاقا من إيمانه بأهمية السلام ورغبته في توظيف خبرته العسكرية في خدمة مهمة إنسانية.
وأشار إلى أن عمل قوات حفظ السلام لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يشمل أيضا حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ودعم الاستقرار بالتنسيق مع السلطات المحلية والشركاء الدوليين. كما تحدث عن التحديات اليومية التي تواجه القوات الأممية، خاصة صعوبة التنقل والوصول إلى بعض المناطق خلال موسم الأمطار.
وأكد الرائد التونسي أن أكثر ما يترك أثرا في نفسه هو رؤية السكان وهم يستعيدون تدريجيا شعورهم بالأمان بعد سنوات من الخوف وعدم الاستقرار، معتبرا أن حفظ السلام هو عمل إنساني بالدرجة الأولى. وبعيدا عن عائلته في تونس، يقضي الرائد موفق العرقي أيامه ضمن البعثة الأممية، يعمل مع زملائه من مختلف الجنسيات في بيئة متعددة الثقافات والخبرات، يجمعهم هدف واحد هو خدمة السلام.
المزيد في هذا الحوار الذي أجريناه بمناسبة اليوم الدولي لحفظة السلام، حيث روى لنا الرائد موفق العرقي تفاصيل الحياة داخل المهمة، والمواقف التي أثرت فيه شخصيا، وما تعلمه من هذه التجربة على المستويين المهني والإنساني.
أخبار الأمم المتحدة: هل يمكن أن تعرفنا بنفسك وبمسيرتك، وكيف بدأت رحلتك مع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة؟
الرائد موفق العرقي: أنا الرائد موفق بن محمد العرقي، ضابط في القوات المسلحة التونسية، جيش البر. العمر 38 سنة. خريج الأكاديمية العسكرية - فندق الجديد بتونس. متحصل على شهادة مهندس في اختصاص علوم تطبيقية للأسلحة.
العمل في حفظ السلام شرف ومسؤولية
بدأت مسيرتي بالعمل في مختلف الوحدات الميدانية كما توليت المشاركة في عديد المهمات العملياتية والتخطيط للعمليات، ولدي خبرة في العمل في بيئة متعددة الجنسيات، آخر شهادة عسكرية تحصلت عليها من مدرسة الأركان من تونس وفرنسا.
أنا هنا ضمن بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى (مينوسكا) منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حيث تلقيت عديد الدورات التكوينية التحضيرية للمشاركة بالمهام الأممية بتونس والخارج، في الوقت الحالي أشغل خطة ضابط تخطيط العمليات المستقبلية futops/U35 بخلية العمليات في المقر الرئيسي لقيادة قوة حفظ السلام في العاصمة بانغي.
أخبار الأمم المتحدة: ما الذي دفعك للمشاركة في مهمة حفظ السلام في جمهورية أفريقيا الوسطى، وكيف كانت تجربتك الأولى عند الوصول إلى هناك؟
الرائد موفق العرقي: العمل في مهام حفظ السلام هو شرف وهو مسؤولية. وبالنسبة لأي ضابط هو طموح أن يشارك في مثل هذه المهام. قراري بالسعي للمشاركة كان نابعا من قناعة بأهمية السلام ونشر ثقافة السلام في العالم، بالإضافة للقيمة المضافة المؤكدة للمسيرة المهنية والسيرة الذاتية، ورغبتي في توظيف خبرتي العسكرية في خدمة مهمة إنسانية.
عند وصولي أدركت حجم التحديات التي يعيشها السكان للوصول لأبسط مقومات الحياة الكريمة من خلال المؤشرات الواضحة والمتعلقة بنقص البنية الأساسية، نقص المدارس، الصحة، وهو ما عزز لديّ إحساس بالمسؤولية والالتزام بأداء مهمتي بأفضل شكل ممكن.
أخبار الأمم المتحدة: كيف تصف طبيعة عمل قوات حفظ السلام على أرض الواقع في جمهورية أفريقيا الوسطى؟ وما هي أبرز المهام التي تقومون بها هناك؟
الرائد موفق العرقي: هو عمل مشترك متزايد الأهمية. وهو أيضا عمل مركب يتطلب تنسيقا مع السلطات المحلية والشركاء الدوليين لضمان تنفيذ مهمة حماية المدنيين في البيئات الهشة، حيث تأتي المهمة الأساسية وهي حماية المدنيين ودعم الاستقرار، ويشمل عملنا اليومي تقديم المساعدات الإنسانية وتسهيل وصول المساعدات لجميع المناطق بالتنسيق مع الاطراف العاملة في المجال الانساني، بالإضافة للحفاظ على الأمن والتعاون مع مختلف الأطراف للوصول إلى السلام المستدام.
هذا ويجدر بالذكر أن القوة العاملة تحت لواء المهمة الاممية بأفريقيا الوسطى لعبت الدور الاساسي في إنجاح وتأمين الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
أخبار الأمم المتحدة: ما هي أكثر المواقف أو المشاهد التي أثرت فيك شخصيا خلال خدمتك في المهمة؟
الرائد موفق العرقي: أكثر المواقف تأثيرا هي رؤية المدنيين صبيحة اليوم الموالي للانتخابات الرئاسية أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025 خاصة الأطفال والناس الذين عاشوا سنوات من الخوف والتقلبات، عندما نرى شعور الأمان يعود تدريجيا تدرك أن عملنا ليس عسكريا، بل هو عمل إنساني بالدرجة الأولى وهو ما جعلني أحس بالمسؤولية ويعطي معنى حقيقيا لوجودنا هنا.
أخبار الأمم المتحدة: تواجه بعثات حفظ السلام تحديات جسيمة، فما هي أبرز التحديات التي تواجهكم في الميدان؟ خاصة في بيئة معقدة مثل هذه؟
الرائد موفق العرقي: نواجه تحديات متعددة، خاصة بيئة العمل والوضع الأمني غير المستقر في بعض المناطق وتعدد أطراف النزاع وصعوبة الوصول للمدنيين، خاصة خلال موسم الأمطار، حيث يتطلب يستغرق الوصول قطع مسافة 30 إلى 40 كيلو مترا - أي عدة أيام من السير في طرقات غير معبدة وغير مهيئة ونعمل في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الخدمات لضمان تنفيذ مهامنا كما يجب. لكننا نعمل بشكل مستمر على التكيف مع هذه التحديات لضمان تنفيذ مهامنا بكفاءة
أخبار الأمم المتحدة: كيف تبنون الثقة مع المجتمعات المحلية، خاصة في ظل بيئة عانت طويلا من النزاع والعنف؟
الرائد موفق العرقي: الثقة تُبنى بالتواجد المستمر والتواصل المباشر مع السكان، الاستماع لهم، محاولة فهمهم احترام ثقافتهم وخصوصياتهم مع العمل بشفافية حيث وبمرور الوقت يصبح وجودنا عامل استقرار وامل بالنسبة لهم.
الاستثمار في السلام يتجاوز العمل العسكري البحت
أخبار الأمم المتحدة: شعار اليوم الدولي لحفظة السلام لهذا العام هو "استثمر في السلام" من واقع تجربتك ماذا يعني لك الاستثمار في السلام بالنسبة للمجتمعات التي تعملون فيها؟
الرائد موفق العرقي: الاستثمار في السلام فكرة مميزة ويعني معالجة الأصول وعدم التركيز على النتائج فقط، فالاستثمار في السلام يتجاوز العمل العسكري البحت وهو الحالة التي تسمح للمجتمع بالعودة إلى ممارسة حياته الطبيعية دون خوف. في جمهورية أفريقيا الوسطى، نؤمن أن السلام المستدام لا يتحقق فقط بتوقيع المعاهدات، بل ببناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على فرض سيادة القانون وحماية المواطن.
الاستقرار لضمان سلام مستدام يعني بالنسبة لنا تمكين السكان من العودة إلى مزارعهم، وفتح المدارس لأطفالهم، وتنشيط الدورة الاقتصادية وتشجيع الخلق والمبادرة، السلام الحقيقي يتحقق عندما يشعر الناس بالأمان ويكون لديهم أمل في مستقبل أفضل. إن دورنا كقوات حفظ سلام هو تهيئة هذه البيئة الآمنة التي تسمح لمؤسسات الدولة بالنمو، بحيث يتحول السلام من مجرد هدنة مؤقتة إلى ثقافة مجتمعية وواقع يومي يضمن للأجيال القادمة مستقبلا خاليا من النزاعات.
أخبار الأمم المتحدة: قوات حفظ السلام تضم عناصر عسكرية وشرطة ومدنيين من ثقافات مختلفة، كيف تنعكس هذه البيئة على العمل؟
الرائد موفق العرقي: العمل ضمن بيئة متعددة الجنسيات يمثل قوة وثروة حقيقية، فمنظومة العمل المعتمدة تسمح باستيعاب جميع الاختلافات فهي منظومة مرنة تمكننا من الاستفادة من تنوع الخبرات والثقافات وتنويع زوايا النظر لمختلف الوضعيات الأمر الذي يسهم في التعامل مع مختلف التحديات وينتج حلولا فريدة من نوعها، كما يعكس روح التعاون الدولي لخدمة الهدف المشترك ألا وهو السلام.
أخبار الأمم المتحدة: اليوم الدولي لحفظة السلام يكرّم أيضا من فقدوا حياتهم أثناء أداء واجبهم. كيف تنظرون داخل البعثات إلى معنى التضحية والمخاطر المرتبطة بهذه المهمة؟
الرائد موفق العرقي: نترحم في البداية على الأرواح التي قدمت في سبيل السلام، ونحيي الزملاء الذين يعملون بصمت ويقومون بكبرى التضحيات. هذا، ويجدر بالذكر أن هناك إدراكا من الجميع أن هذه المهمة تنطوي على درجة عالية من المخاطر لكننا نؤمن أن الأمان الذي نوفره للآخرين يستحق هذه التضحيات وتكريم زملائنا الذين فقدوا حياتهم هو تذكير دائم لنا بأهمية هذه الرسالة.
أخبار الأمم المتحدة: ما الرسالة التي تود توجيهها للعالم حول أهمية حفظ السلام ودعم الشعوب المتضررة من النزاعات؟
الرائد موفق العرقي: رسالتي هي أن السلام ليس خيارا، بل ضرورة ودعم عمليات حفظ السلام هو استثمار في مستقبل أفضل للجميع. ما نقوم به اليوم قد يكون حجر الأساس لاستقرار وحياة أفضل للأجيال القادمة.
في نهاية المطاف، يبقى السلام مسؤولية مشتركة ونحن هنا لنقدم جزءا من هذا الالتزام من اجل عالم أكثر أمناً واستقرارا.
أخبار الأمم المتحدة: أين هي عائلتك وهل أنت على تواصل معها؟
الرائد موفق العرقي: أسرتي في تونس، والحمد لله أنا على تواصل دائم معهم. عندي ابنة اسمها فاطمة وعمرها أربع سنوات. ابنتي شغوفة بمعرفة ماذا أفعل هنا، ولماذا أنا موجود في بلد بعيد مثل أفريقيا الوسطى، وتطرح أسئلة على شاكلة: لماذا أنت هناك؟ أليس من المفروض أن تعمل في الجيش في تونس؟ ماذا تفعل في دولة أخرى؟
تسألني بنتي: لماذا أنت موجود في بلد بعيد مثل أفريقيا الوسطى؟
أحاول أن أجيبها وأفسر لها أن مهنتنا تتجاوز العمل العسكري البسيط، وأن العمل العسكري هو عمل ذو طابع إنساني وله أهداف أسمى من المفهوم البسيط للعمل العسكري وعمل القوات المسلحة.
أخبار الأمم المتحدة: نتمنى لكم التوفيق في عملكم، وكل عام وأنتم بخير بمناسبة اليوم الدولي لحفظ السلام.
الرائد موفق العرقي: شكرا جزيلا على إتاحة هذه الفرصة، سعيد جدا بلقائكم وبالحديث معكم.