لجنة التحقيق الأممية بشأن سوريا تشدد على ضرورة حماية المدنيين والأدلة
قال عضو لجنة الأمم المتحدة المستقلة للتحقيق بشأن سوريا، هاني مجلي إن المناشدة الرئيسية للجنة في الوقت الراهن هي حماية الشعب السوري الذي عانى لأكثر من 13 عاما من التعذيب والموت والاختفاء.
وفي حوار خاص مع أخبار الأمم المتحدة، شدد مجلي على أهمية حماية الأدلة التي ستساعد السوريين في سبيلهم نحو تحقيق العدالة والمساءلة، مضيفا "طلبنا من السلطات المؤقتة حماية الأدلة".
وقال عضو اللجنة الدولية المستقلة إنه فيما يتعلق بالمساءلة والمحاسبة على الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت في السنوات الماضية، هناك فرصة الآن لأن يلعب الشعب السوري نفسه دورا في تلك الإجراءات، وألا يكون هناك أي شك في أن أطرافا خارجية تتلاعب بتلك المعلومات أو تدير تلك الإجراءات.
وأضاف أن الخطوات القادمة ليست فقط محاكم ومحاسبة جنائية، "الخطوات أيضا تشمل تحديد مصير المفقودين، وأن تعرف الناس الحقيقة، وأن يكون هناك تعويضات وإصلاح للضرر الذي لحق بالشعب، وإصلاح القوانين والمؤسسات".
وأكد استعداد اللجنة للمساعدة في المرحلة القادمة، لافتا إلى أن المعلومات المتوافرة لديهم لا يتم إرسالها للحكومات، بل للمحاكم، معربا عن أمله في أن يكون هناك اهتمام بإصلاح القضاء السوري وأن يكون مستقلا بالفعل ويستطيع إجراء محاكمات عادلة، "وحينئذ يمكن أن نساعدهم بما لدينا من معلومات".
ودعا مجلي الدول إلى الكف عن أي نوع من التدخل وخصوصا المسلح، كي يُمنَح الشعب السوري الفرصة للمضي قدما والتركيز على المهام الصعبة التي هم بصدد التعامل معها. وحث كذلك على تعليق نظام العقوبات "ولو بشكل مؤقت"، مشددا على أن الوقت الراهن هو فرصة لتقديم مساعدة أكبر للسوريين، مما كان عليه الحال سابقا.
يذكر أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية كانت قد أنشئت في آب/أغسطس 2011 للتحقيق في جميع الانتهاكات المزعومة لقانون حقوق الإنسان المرتكبة منذ اندلاع الصراع في البلاد في وقت سابق من ذاك العام.
فيما يلي تفاصيل الحوار الذي أجريناه مع هاني مجلي عضو لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا.
أخبار الأمم المتحدة: هل أنتم على اتصال بالحكومة المؤقتة في سوريا؟ وما هو النداء الرئيسي الذي وجهته اللجنة للأطراف؟
هاني مجلي: لا يوجد اتصال مباشر مع السلطات الجديدة. لكننا نحاول من طرف الأمم المتحدة التي لديها فريق على الأرض وهم على اتصال مع السلطات.
الأولويات والمطالب التي نناشدهم بشأنها هي أولا حماية الشعب الذي يعاني على مدى ما بين 13و14 سنة من التعذيب والموت والاختفاء والاغتصاب وحرب أهلية. لذا، يجب حماية المدنيين أولا وأن تولي السلطة الجديدة أولوية لهذا الموضوع، بما في ذلك أن يتلقى أي أحد اعتقلوه في الأيام الماضية معاملة إنسانية.
الشيء الآخر هو أن الأدلة التي ستساعد السوريين لأن يسيروا على طريق العدالة والمساءلة يجب حمايتها. ما رأيناه في الأيام الماضية هو أشخاص حاولوا الدخول إلى السجون ليأخذوا الملفات، ويذهب هؤلاء إلى هناك لمعرفة أي معلومات عن أفراد عائلتهم المختفين أو المفقودين. وهناك أشخاص يحرقون أوراقا، وآخرون يأخذون أوراقا كي يستعملونها لاحقا.
رأينا في أماكن أخرى أن هناك أشخاصا يستغلون هذا الأمر، حيث يأخذون الملفات ثم يبيعونها بعد ذلك للعائلات التي تبحث عن المفقودين. لذلك، أهم شيء هو حماية الأدلة، فهي مهمة للمحاكمة والمساءلة، وإذا عبث أشخاص بالأدلة، فستقول المحاكم إنها غير قادرة على استخدامها.
نفس الأمر بالنسبة للمقابر الجماعية، يجب أن تظل الأدلة كما هي لنعرف منها هوية المدفونين في تلك المقابر، ثم تيأتي أشخاص بعد ذلك للتأكد من أن المدفونين هما كما هو مذكور في الأوراق. وإذا قام أشخاص بحفر تلك القبور قبل التأكد مما هو وارد في الأدلة، فستحدث فوضى ولن يتمكن الناس من الحصول على الإجابات التي يسعون للوصول إليها.
أخبار الأمم المتحدة: رأينا مشاهد من سجن صيدنايا ومراكز اعتقال أو احتجاز أخرى. ما تعليقكم على تلك المشاهد وتحديدا من سجن صيدنايا؟
هاني مجلي: نتفهم أن العائلات تريد الحصول على إجابات، ومن مازال على قيد الحياة، ومصير المختفين. انتظر الناس أكثر من 12 عاما كي يعرفوا مصير ذويهم، فلذلك يذهبون لتلك الأماكن. لكن بهذه الطريقة سيكون من الصعب الوصول للمعلومات التي يريدون الوصول إليها.
لذلك، طلبنا من السلطات المؤقتة حماية أماكن الأدلة، وأن تكون هناك في المستقبل محاسبة لأكبر المسؤولين على الجرائم التي شهدنها في الفترة الماضية، وأن تكون هناك طريقة للوصول إلى معلومات عن المفقودين أو المختفين.
من الصعب أن تطلب من الأهالي ألا يذهبوا لتلك الأماكن، ولكن ذلك يمكن أن يؤدي إلى اختفاء الأدلة مما سيصعب المهمة.
أخبار الأمم المتحدة: عند الحديث عن موضوع المساءلة وتقديم الجناة المحتملين إلى العدالة، وخاصة الأكثر مسؤولية عن تلك الجرائم أو الانتهاكات التي ارتكبت. قلتم أيضا في أحدث بيان للجنة إنه يجب على السوريين أن يقودوا عملية صياغة المساءلة وتحقيق العدالة. ما نوع الجهد والدعم اللازمين لتحقيق هذا الهدف؟
هاني مجلي: أنا متأكد من أن الدعم سيكون موجودا لأن العالم كله مع الشعب السوري لما عاشوه طوال الفترة الماضية وحقهم في معرفة مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عما جرى لهم داخل البلاد أو خارجها.
مهم جدا أن تتم هذه الأمور داخل سوريا، وليس خارجها. هناك فرصة الآن لأن يلعب الشعب السوري نفسه دورا في تلك الإجراءات، وألا يكون هناك أي شك في أن أطرافا خارجية تتلاعب بتلك المعلومات أو تدير تلك الإجراءات، وأن زمام الأمر بيدهم فهم من غير النظام ولهم الحق في أن يقودوا تلك المرحلة فيما يتعلق بالمساءلة والمحاسبة.
هناك خبرات كبيرة في بلدان أخرى وخصوصا في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، وأنا متأكد أن هذه الدول مستعدة لإرسال خبراء للمساعدة في ذلك الأمر. والشعوب نفسها تفهم وضع السوريين ومستعدة للتطوع لمساعدة السوريين وتدربيهم كي يكونوا قادرين على القيام بهذا الأمر.
أنا متأكد أن الأمم المتحدة مستعدة أن تساعد في هذا الموضوع، وتربط ما بين الشعوب المختلفة التي لديها الخبرة في هذا المجال والشعب السوري. الأمر المهم أن يبقى الأمر في أيدي السوريين، وأن يكونوا هم من يقرر المسيرة، ومن يحضر للخطوات القادمة.
والخطوات ليست فقط محاكم ومحاسبة جنائية، الخطوات أيضا تشمل تحديد مصير المفقودين، وأن تعرف الناس الحقيقة، وأن تكون هناك تعويضات وإصلاح للضرر الذي لحق بالشعب، وإصلاح القوانين والمؤسسات.
المهمة كبيرة وسيحتاج السوريون مساعدة من الخارج خصوصا أن البلد تدمرت بعد حرب استمرت قرابة 14 عاما، وأصبح 90 في المئة من الشعب يعيشون تحت خط الفقر. في الوقت الذي ستتم فيه إعادة بناء البلاد هناك مهمة كبيرة جدا - وصعبة على أي دولة - أمام السوريين، وهي العمل على موضوع المساءلة والمحاسبة.
أخبار الأمم المتحدة: في موضوع المحاسبة أيضا، أعددتم قائمة بالجناة المحتملين على مر السنين. هل ستشاركونها مع السلطات الجديدة؟ وهل ستواصلون التحقيق وإضافة مزيد من الأسماء إلى تلك القائمة؟
هاني مجلي: اللجنة مستعدة للمساعدة. وهناك لجنة أخرى تعمل على موضوع المحاسبة (الآلية الدولية المحايدة والمستقلة). يمكن أن نشارك ما يتوافر لدينا من معلومات مع سلطات قضائية مستقلة يمكن الوثوق بها. لم نر تلك السلطات في سوريا طوال نحو 13 عاما ويمكن أكثر من ذلك إذا تحدثنا عن فترة ما قبل اندلاع الحرب.
سيكون هناك جهد كبير كي تصبح المحاكم على مستوى يمكن الوثوق فيه للقيام بتلك المهمة. معلومات كتلك لا تُرسَل إلى الحكومات، بل إلى المحاكم. ونأمل أن يكون هناك اهتمام بإصلاح القضاء السوري وأن يكون مستقلا بالفعل ويستطيع إجراء محاكمات عادلة. وحينئذ يمكن أن نساعدهم بما لدينا من معلومات.
أخبار الأمم المتحدة: اللجنة كررت أيضا دعواتها إلى مراجعة عاجلة لتعليق نظام العقوبات ومراجعة لأنظمة العقوبات بشكل عام. ما هي أهمية هذه الخطوة؟
هاني مجلي: عانت البلاد من حرب استمرت قرابة 14 عاما، دُمرِت وأفلست. فهناك عمل من أجل إعادة بناء اقتصاد البلاد، وفي نفس الوقت هناك مهمة كبيرة أمام السوريين وهي المساءلة والمحاسبة. فاقتراح اللجنة هو تعليق موضوع العقوبات ولو بشكل مؤقت.
يقول البعض إنه من المبكر تعليق العقوبات، حتى يتسنى معرفة أسلوب النظام الجديد في سوريا. وموضوع تعليق العقوبات حدث بالفعل أثناء الزلزال الذي ضرب سوريا، عندما قررت دول وقتها تعليق العقوبات كي تصل المساعدات إلى البلاد في خضم الوضع الذي آلت إليه بسبب الزلزال آنذاك.
يمكنهم أن يفعلوا نفس الشيء الآن، حيث يمكنهم إرسال المساعدات التي ستساعد في إعادة بناء البلاد، وفي الوقت نفسه يراقبون أسلوب النظام الجديد وهي استطاعوا أن يتعاونوا ويشكلوا حكومة جديدة تضم جميع الأطراف. هذه فرصة أن يتم تقديم مساعدة أكبر مما كان عليه الحال سابقا.
أخبار الأمم المتحدة: نرى الآن الوضع ليس مستقرا بعد، هناك معارك في شمال وشمال شرق سوريا، والقوات الإسرائيلية تقدمت إلى المنطقة العازلة التي تم إنشاؤها بموجب اتفاق فض الاشتباك عام 1974 ونفذت أكثر من خمسمائة ضربة. ما تعليقكم على ذلك؟
هاني مجلي: من الغريب جدا أنه في الوقت الذي استطاعت دولة إزاحة نظام ديكتاتوري، وبدأت في النظر في الخطوات القادمة التي يمكن اتخاذها بما في ذلك المحاسبة والمساءلة وإعادة بناء البلاد وإنهاء الحرب والعنف، أن تكون هناك دول تضرب في كل يوم أماكن مختلفة في سوريا. هذا لا يساعد فيما هو قادم.
نطلب من كل الدول التي كانت تلعب دورا في سوريا من قبل، أن تكف عن أي نوع من التدخل، وخصوصا التدخل المسلح، كي يعطوا فرصة للشعب السوري والنظام الجديد أن يركزوا على ما يجب عمله الآن كي يستطيعوا أن يسلكوا المسارات الصعبة التي أمامهم. فالبلد مدمر وهناك مشاكل كبيرة فيما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وقضية المفقودين.
هذا ليس وقت توجيه ضربات يومية داخل البلاد، وليس وقت عدم استقرار. ويجب أن تكون هناك هدنة، ولا ينبغي لأي طرف خارجي توجيه ضربات أو التدخل عسكريا، كي تتم إتاحة الفرصة للسوريين للمضي قدما.