مفوض حقوق الإنسان يحذر من الانزلاق نحو التطرف والتصعيد: العنف ليس حلا
قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن حقوق الإنسان نفسها ليست في أزمة، بل إن الأزمة تكمن في تطبيقها، بالإضافة إلى غياب قيادة سياسية حازمة تضمن احترام حقوق الجميع.
واستشهد تورك – في حوار حصري مع أخبار الأمم المتحدة – بتصاعد النزاعات، وتقلص مساحة العمل المدني، وتزايد النزعات الاستبدادية في بعض البلدان التي تنتهك حقوق مواطنيها غير القابلة للتصرف. وأكد أن العالم بحاجة إلى عكس ذلك تماما وذلك من خلال المزيد من الانفتاح والمساءلة.
وأكد المفوض الأممي الدور الحاسم الذي تلعبه آليات حقوق الإنسان - بما فيها مجلس حقوق الإنسان والمقررون الخاصون وكذلك مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان - في ضمان محاسبة مرتكبي الانتهاكات والتجاوزات.
كما أعرب فولكر تورك عن قلقه العميق إزاء الميل نحو التصعيد، مثلما هو الحال في الشرق الأوسط، مشددا على ضرورة اتخاذ إجراءات لاستعادة السلام الدائم. وشدد على الحاجة الملحة لوقف إطلاق النار والإفراج غير المشروط عن الرهائن.
المزيد في الحوار التالي مع مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك.
أخبار الأمم المتحدة: أعتقد أنه من المنطقي القول إن وضع حقوق الإنسان يتدهور في جميع أنحاء العالم. في رأيك، ما هي الأسباب الرئيسية لهذا الاتجاه المقلق؟
فولكر تورك: كثيرا ما نسمع أن حقوق الإنسان في أزمة، لكن من المهم جدا توضيح أن حقوق الإنسان نفسها ليست في أزمة، بل الأزمة تكمن في تطبيقها وفي القيادة السياسية اللازمة لضمان حدوث هذا التطبيق فعليا.
لدينا الكثير من الحروب، والكثير من العنف، والكثير من النزعات الاستبدادية في جميع أنحاء العالم. كما أننا نشهد قمعا للمجال المدني، وهو أمر غريب جدا في عالم اليوم، لأننا نحتاج إلى عكس ذلك تماما.
أخبار الأمم المتحدة: ما مدى فعالية آليات حقوق الإنسان الدولية الحالية في رأيك؟ ذكرت أن هذه الأدوات ساعدت في منع الحروب والفظائع في الماضي. ولكن هل هناك شيء رئيسي يمكن القيام به لمواكبة العالم المتغير؟
فولكر تورك: من المهم جدا استخدام آليات حقوق الإنسان هذه. مجلس حقوق الإنسان، ومكتبي، والمقررون الخاصون [خبراء حقوق الإنسان المستقلون الذين يعينهم مجلس حقوق الإنسان]، وهيئات المعاهدات، لأن هذه الآليات تسلط الضوء على قضايا حقوق الإنسان في حالات النزاع وخارجها، وتضمن عدم إفلات أي شخص من التدقيق.وهذا أمر أساسي في جميع أعمالنا، لأنه إذا أفلت الناس من التدقيق، فستكون لدينا مشكلة.
أخبار الأمم المتحدة: بالانتقال إلى الأزمات في جميع أنحاء العالم. لنبدأ بالشرق الأوسط، ما الذي يثير قلقك أكثر بشأن هذا الوضع، وما التأثير الذي قد يخلفه على القانون الدولي مستقبلا؟
فولكر تورك: أحد الأمور التي تقلقني للغاية هو أن الجميع يبدو أنه ينزلق نحو التطرف ومنطق التصعيد غير المنطقي. لم يعد هناك حديث عن كيفية صنع السلام. ما نراه هو تصعيد يتبعه تصعيد آخر، كما لو أن العنف هو الحل، والحل العسكري هو الاستجابة - لا، بل على العكس تماما.
يجب أن يكون هناك وقف لإطلاق النار، وإفراج غير مشروط عن الرهائن
يجب أن يكون هناك وقف لإطلاق النار، وإفراج غير مشروط عن الرهائن. يجب أن يوضع حد لدوامة العنف المستمرة هذه. ويجب أن تُجرى مفاوضات لإحلال السلام تؤدي في النهاية إلى حل الدولتين حيث يمكن للإسرائيليين والفلسطينيين العيش جنبا إلى جنب في سلام.
أخبار الأمم المتحدة: هل تعتقد أن الأحداث الحالية قد يكون لها تأثير على مستقبل قانون حقوق الإنسان وحقوق الإنسان؟
فولكر تورك: أخشى أن الطريقة التي ينتهك بها القانون الدولي، وحقوق الإنسان، وتطبيق القانون، والقانون الإنساني في الوقت الحالي تُمثل مصدر قلق كبير لأن العالم يشاهد. وقد يستغل البعض الآخر الأمر، قائلين إنه إذا حدث في هذا الجزء من العالم، فيمكن أن يحدث أيضا في مكان آخر.
لذلك، أنا قلق جدا بشأن تآكل القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بالقواعد الأساسية التي يجب أن تُوجه تفاعلاتنا، والتي يجب أن تُوجه الحرب أيضا، والتي يجب أن تُوجه كيفية تفاعلنا مع مؤسسات الدولة.
أخبار الأمم المتحدة: بشأن الوضع في أوكرانيا، هناك بعثتان على الأقل حاليا، تقومان برصد الانتهاكات المستمرة. ما مدى أهمية هذا العمل في رأيك؟ وما مدى صعوبة جمع المعلومات الموثوقة في ظل الوضع الحالي؟
فولكر تورك: تستند آليات حقوق الإنسان - سواء ما يقوم به مكتبي أو ما تقوم به لجنة التحقيق الدولية المستقلة - إلى منهجية صارمة للغاية. يجب التحقق من كل حقيقة، وهذا هو السبب في أن أرقامنا تكون أحيانا أقل من الأرقام الفعلية، لأننا يجب أن نتحقق من كل حادثة عندما نقوم بتسجيل الضحايا، على سبيل المثال، أو عندما ننظر إلى البنية التحتية المدنية المتضررة.
لذلك، دائما ما تستغرق تقاريرنا بعض الوقت لكتابتها لأننا نحتاج إلى القيام بعمل صارم ودقيق للغاية لنتمكن من إثبات الحقائق، وتطبيق القانون، والتأكد من عدم نسيان القصص الفردية في البيئة غير الإنسانية للغاية التي نراها، والتي تحدث للأسف في الحرب.
أخبار الأمم المتحدة: البعض، في أماكن مثل أوكرانيا، يرون أن التقارير عن أوضاع حقوق الإنسان تصدر دون أن تكون مقترنة بأفعال ملموسة لوقف الانتهاكات، ما تعليقك على ذلك؟
فولكر تورك: بالنسبة لي، حقوق الإنسان تتعلق بالحقائق، وإثبات الحقائق.الأمر يتعلق بتطبيق القانون والتساوي في التطبيق. لأن القانون هو قانون حقوق الإنسان. إنه قانون المراقبة الدولية. لذلك، فهو مقياس نُحلل على أساسه الحقائق، ثم نصل إلى الاستنتاجات. لكنه يتعلق أيضا بالرحمة.
نحن بحاجة إلى إبراز ألم ومعاناة الناس حتى يدرك الناس أن الحرب مروعة تماما. إنها تعني الموت والدمار والسُمية التي يتعين علينا منعها في المقام الأول. يجب علينا تجنبها، ويجب علينا إيجاد مخرج منها.
أخبار الأمم المتحدة: في السودان، يُوصف العنف الجنسي واسع النطاق بأنه أحد سمات هذه الأزمة. ما هو دور الأمم المتحدة في منع الإفلات من العقاب في هذا السياق؟
فولكر تورك: مكتبي، وكذلك خبيري المعين وبعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان، موجودون هناك للمراقبة والتوثيق والإبلاغ عما يحدث.
من الأهمية بمكان مكافحة الإفلات من العقاب وأن تتم محاسبة الجناة عندما نحدد هويتهم
وبالنسبة لنا، من الأهمية بمكان مكافحة الإفلات من العقاب الذي كان سمة من سمات الماضي في هذا الوضع، وأن تكون هناك آليات للمساءلة، وأن تُوسع المحكمة الجنائية الدولية نطاق تغطيتها للوضع، ليس فقط دارفور، بل الوضع برمته، وأن تتم محاسبة الجناة عندما نحدد هويتهم.
أخبار الأمم المتحدة: في هايتي، تستمر العصابات في ترويع السكان. بالطبع، أنت تدعو إلى تعزيز عمل البعثة الدولية. كيف يمكننا التأكد من أن الإجراءات التي تتخذها البعثة لا تساهم في انتهاكات حقوق الإنسان؟
فولكر تورك: الوضع الأمني يثير قلقا بالغا. فقد قُتل أكثر من 3,900 شخص وخُطف المئات هذا العام.
من الواضح أن بعثة الدعم الأمني متعددة الجنسيات التي تم نشرها حاليا مهمة لدعم الشرطة الهايتية في القيام بعملها. في الوقت نفسه، يجب علينا وقف تدفق الأسلحة إلى البلاد، فهي لا تُنتج جميعها في هايتي. إنها تأتي من مكان آخر.
ونحن بحاجة إلى التأكد من أن الأفراد الذين يقفون وراء العصابات يخضعون فعليا للعقوبات. لذلك، نحن بحاجة إلى نهج شامل وعاجل. وحقوق الإنسان جزء منه لأننا بحاجة إلى التأكد من أنه أيا كان ما تفعله قوة الشرطة، بما في ذلك القوات الدولية، فإن هناك أطرا قائمة للامتثال لحقوق الإنسان.